السبت، 22 يوليو 2017

خيبة وقلة حبايب

(1)

يقف أخى الأصغر حائرًا ويسألنى أى " تى - شيرت" سيكون أنسب لذلك المشوار؟

 أعدد له مزايا وعيوب كل منهما وفقًا للمناسبة، ثم أنصرف دون أن أحسم له الأمر عن عمد، ينخلع قلبى خشية أنه قد يتسلل إلى عقله شعور بأننى لا أهتم، لكننى أردد على نفسى أننى قد أعطيته مفاتيح الإجابة، ولم أتركه يجابه حيرته منفردًا، أعيد طمأنة نفسى بأننى أهتم بما يفوق خياله، أهتم لدرجة أنه لا يعنينى أى تى شيرت سيرتديه، وإنما يعنينى أن يستطيع اختيار الأنسب له بسهولة حينما لا يجدنى ليسألنى.



(2) 

كان ذلك منذ بضع سنوات، مساءً فى مكتب رئيسى فى عملى السابق، كنا نجلس معه أنا وزملائى لمناقشة بعض أمور العمل، إلى أن قاطعنا اتصال هاتفى ورده من ابنه الأصغر، كان رئيسى حينها فى مزاج رائق، فما كان منه إلا أن وضع ابنه على ال "سبيكر"، لنستمع إلى " لماضة"  ابنه الذى كان يريد استبدال ساعة اختارها بنفسه بلعبة، لينهى والده النقاش بقوله" "لا يمكن استبدال الساعة لأنه كان قرارك واختيارك.. وما عليك إلا انتظار الموعد المقرر لك الشهر القادم- حسب تقاليد أسرتهم-  لتبتاع ما أردت".



 (3)

طالما تستخدم جدتى ذات العبارة للتعقيب على خطئها فى تقدير بعض المواقف: " خيبة وقلة حبايب"، اعتدت سماع الجملة منها كثيرًا مقرونة بشفافية بالغة، وبقدر كبير من التصالح مع النفس  فى اعترافها بالخطأ، لم أكن أفهم ما تعنيه الجملة إلى أن بادرتها يومًا بالسؤال، ضحكت بشىء من الخجل، ثم أخبرتني أن اتخاذ أى قرار خاطىء يرجع جزء منه إلى عدم التقدير السليم للموقف، كالتسرع.. الاندفاع.. عدم الحكمة، إلخ وهو ما لا يمكن وصفه إلا بالــ" خيبة " ، فى حين يرجع الجزء الآخر إلى عدم وجود أشخاص مخلصة إلى جانب المرء ممن يمكنهم تقديم المشورة والدعم له لتصحيح مساره إن أخطأ الطريق، أو لتوجيهه إلى ما ينبغى عليه فعله، وهو ما عبرت عنه عبارة " قلة حبايب".



أظن أن ما يهم ليس فقط  أن تكون لدى  المرء القدرة على اتخاذ قرار بأن يتجاوز مخاوفه ويكون مغامرًا، أو أن يكون مؤمنًا بأنه لا مكان فى هذا العالم لمن يأمن السير فقط  بمحاذاة الحياة دون الذوبان فى طرقاتها.. لا يهم فقط أن يتعلم المرء كيفية اتخاذ قرار في ضوء معرفة أنه لا حلول ممتازة في أغلب الأحيان، وأن مقابل كل شىء يناله عادًة فثمة ثمن يدفعه نظير  الحصول على هذا الشىء، وهو ما يتطلب أن تستند قرارتنا إلى حسن التفنيد والتقييم من كل جانب، ثم التسليم بوجوب بعض التضحيات.. ليس هذا فحسب ما يهم، المهم فى النهاية أن "يتدرب" المرء يوميًا على اتخاذ القرارات حتى فى الشئون الحياتية البسيطة، كاختيار أى "تى -شيرت" سيرتديه، وأن يكون ناضجًا كفاية لتحّمُل تَبعات قراره، حتى وإن كانت فى أمر ساذج كمعرفة أنه قد لا يتمكن من استبدال ساعة اشتراها، وأن يتقبل سوء اختياره بصدر رحب ونفس تتقبل الخطأ ببساطة جدتى وهى تقول: " أهو اللى حصل بقى.. دى بس خيبة وقلة حبايب".

الاثنين، 26 يونيو 2017

بالنقائص نكتمل

"Friends can break your heart too"

صادفت منذ فترة تلك الجملة في أثناء تصفحي للإنترنت، تأملت لوهلة ما بها من تأكيد على أن الأصدقاء أيضًا بإمكانهم كسر قلوبنا، مررت على الجملة دون التفات كامل كمروري علي عشرات الجمل القصيرة التي تبدو براقة للكتابة كــ ( ستاتس) علي فيس بوك، ولكن لسبب ما ظلت عالقة في وجداني.







طالما كنت أعقِد في ذهني مقارنات بشأن تشابه فكرة الصداقة مع العلاقات العاطفية، حتي وإن بدت المقارنة غير صحيحة لاختلاف طبيعة العلاقتين، إلا أنني كنت أشعر دومًا بأن هناك نقطة تماس بينهما، وربما لذلك استوقفتنى العبارة السابقة، ما إذن جدوى كلمة "أيضًا" التى تتضمنها العبارة سوى التأكيد على أن نقطة التماس تلك بين الصداقات والعلاقات العاطفية موجودة؟



ربما يأتى التماس من أن ما تفهمه كخلاصة حياتية من تجربتك الإنسانية مع صديق حقيقي مقرب، قد يفيدك بعض الشئ في تجربتك الإنسانية مع الآخر، والعكس بالعكس؛ ذلك أن الاقتراب الإنساني من صديق حميم قد يتشابه في بعض ملامحه من تجربة الاقتراب من الآخر، تمران معا بمواقف حياتية حقيقية .. نقلات حياتية من تجارب مرض، وفاة، سفر، عثرات مادية، نوبات اكتئاب، لحظات ترقب في انتظار حدث كبير، استعدادات لأحداث سعيدة، تسعدا معًا من إنجاز حققه أحدكما، ينفطر قلبيكما معًا لحزن ما طال أحدكما، إلي أخر ذلك من المواقف التي تجسد المعني الحقيقي للحياة، تعاصر في تجارب الصداقة الحقيقية كل ذلك، تري صديقك في لحظات فرحه وانتصاره وانكساره، تتشكل العلاقة حول هذا المحور: قبول غير مشروط لباكيدچ واحدة بما تحويه من مزايا وعيوب، تلمس العيوب وتقر بوجودها، ثم " تختار" بكامل وعيك الاستمرار دون أن يغير ذلك فيك شيئًا تجاه الآخر اللهم باستثناء بعض نوبات الانزعاج من هذه العيوب، التى يتجدد عقب انقضاءها عهدك الداخلى بالاستمرار، على طريقة ما تغنى به وائل جسار: " حبيته لما أنا شفت عيوبه، ومافيش أجمل من كدة"، وذلك حينما يقرر الصديق ألا يركض بعيدًا عن العيوب التى لمسها فى صديقه من باب "الاستسهال" أو البحث عن علاقة خالية من " وجع الدماغ"؛ لأنه فى الواقع لا علاقة بلا وجع فى المجمل، ويبقى المهم فى النهاية ما قيل يومًا عن أن "تكون بصحبة شخص تشعر معه بأقل قدر ممكن من الألم"، وأن تكونا سويًا بالنضج الكافى لاستيعاب أنه لا يمكن تجزئة علاقاتنا الإنسانية لاختيار ما يناسبنا فقط، لأننا أيضًا يشوبنا ما يزعج الغير، وأن نقص بعض الجوانب فى العلاقات ربما هو- وبعكس المنطق- من أسرار استمرارها، ذلك السر المتعلق بالتغافل، بتجاوزك وتجاوز الآخرين عن بعض النقائص إيمانًا بأن شتى العلاقات إنما تستمر بالفضل..لا بالعدل، بفضل التجاوز عن الهفوات، على نهج سيد مكاوى: "خلى شوية عليا.. وشوية عليك".


  يُقال  "من ابتغي صديقا بلا عيب عاش وحيدًا"، وأظن المعني ذاته ينطبق إذا استبدلنا كلمة صديق بحبيب. 


أفكر كثيرًا في سبب استمرار صداقتي بصديقتي عمري، رغم أننا فعليًا ثلاث شخصيات مختلفة، تعلمت من علاقتنا أن الاختلاف غير مخيف طالما هناك أرضية مشتركة بإمكانها احتواء الخلافات والاختلافات، طالما أن هناك ثوابت تجمع أطراف العلاقة فتصبح الاختلافات غير مفزعة، وربما صداقتنا تلك هي التى علمتني أن أقرب الأشخاص ليسوا هم من يطابقوننا تمام التطابق، ولكن هم من يكملوننا، يشد كل منا الآخر في اتجاه عالمه المختلف، فتدب الحياة في حياتك بفضل تلك الاختلافات، لتطرق أبواب عوالم أخرى لم تكن لتجرؤ على الاقتراب منها مالم يسحبك من يدك شخص ما مختلف عنك ليدفعك دفعًا نحوها.

 

أما الخلافات فهي أقوي أعمدة العلاقات بعكس ما قد يصوره المنطق بأن الخلافات تهدد الاستمرار، تعلمت من صداقاتي بالمقربين أن نشوب خلاف ليس الأزمة، وإنما الأزمة قد تنشأ من كيفية إداراة الخلاف، ومن طريقة استجابتنا له، لتتأكد لدي صحة ما يثار عن أنه مع كل خلاف يمكن وضع قاعدة جديدة للعلاقة، لتصبح الخلافات أعمدة تُبني عليها العلاقات، إذا ما كانت الاستجابة لها سوية، ونابعة من رغبة حقيقية في الوصول إلى حل، لا من رغبة طرف في إثبات أنه فقط علي صواب، وأن الطرف الآخر مخطئ بلا شك، تأكدت من تلك القاعدة بعد خلاف هو الأكبر بيني وبين صديقة مقربة، فزعت في البداية من أن يتحول كل ذلك التفهم بيننا لكل ذلك الشد والثورة من كلينا، لكن من يومها اطمأن قلبى لأن علاقتنا قوية، لأننا كنا بطريقة ما في وسط خلافنا نقسو جدا ثم نلين جدا، كانت كل واحدة فينا حينها كمن تصفع ابنها ثم تضمه إلي صدرها، فتأكدت أننا " مانهونش علي بعض"، تذكرت حينها حوار دار بيننا قبلها بسنوات حينما تخيلنا ماذا سيحدث لو اختلفنا، كنا من فرط تفاهمنا نخشي من لحظة الخلاف، ثم جاءت الإجابة بعدها بسنوات: لو اختلفنا سنكون كمن تصفع ابنها ثم تضمه إلي صدرها، وهو أيضا مفهوم قد يؤسس لقاعدة مهمة في العلاقات كافة: ألا يهون عليك الآخر.


بشكل ما تتلاقى علاقات الصداقة مع العلاقات العاطفية فى بعض النقاط، فيما لا يمكن وصفه بما هو أدق مما قرأته يوما عن توصيف العلاقة بين متحابين بأنهما "اثنان تآلفا على نقص"، وهو الوصف ذاته الذي يصلح  أيضًا للتعبير عن علاقة صداقة حقيقية يتآلف أطرافها على النقائص فيكتملوا برغم وجودها.

الأربعاء، 24 مايو 2017

بوسطة 6- جدى الحبيب

جدى الحبيب
 
ربما هو درب من الجنون أن أكتب لك وأنت لست هنا فى هذه الدنيا، لكنك فيها بشكل ما، لا أعنى بذكراك فى القلب، ولكنك هنا بأثرك الممتد فينا، بأثر استشعره بقوة بعد ثلاثة عشر عامًا من رحيلك، وأظن أنه لاداعى لإضفاء المنطق على كل شىء نقوم به  حتى يتحتم علىّ تبرير سبب كتابتى لك بعد رحيلك ، فقط شعرت بالحاجة لأن أكتب لك..أو عنك بالأحري، ففعلتها . 

أنت فقط لم تفارق ذهنى طوال الأيام الماضية، في كل عام قبل بدء شهر رمضان، تحتل رأسى بقوة، أتذكر جوال البلح الكبير الذى كنت تصر على شراءه سنويًا  لتقسيمه بين أبناءك الثمانية، كبروا وتزوجوا وأنجبوا، وصار كل منهم فى بيت مستقل، لكن نصيبه من البلح ظل طقسك المعتاد، كنت طفلة تراقب فى ابتهاج ذلك الجوال الضخم فتصيبها سعادة بالغة، كنت أراقبك يا جدى وأنت تحنى ظهرك وتتابع تحركات مؤشر الميزان الأحمر الكبير لتزن أكياس البلح، ثم تغلق الأكياس بإحكام.. انهماكك التام فى إعداد الأكياس، وانهماكى التام فى مراقبتك،  ربما لم أكن أفهم  حينها ما تقوم به، لكن كنت أدرك جيدًا أنها طقوس تسعدنى.

حاولت جدتى استكمال المسيرة بعد رحيلك، ولكن بشكل آخر، هل تعرف أن جدتى فى كل عيد تحضر لنا وعاء كبير مزركش من الحلوي والتسالى والشيكولاتة وتضعه فى منتصف منضدة السفرة؟ تمامًا كما كنت تفعل أنت، أذكر أنها فى أول عيد بعد رحيلك أخبرتنى مبتسمة  أنها ستواصل طقوسك فى العيد لنشعر أن شيئًا لم يختلف بعدك، كانت تنظر لطبق الحلوى مبتسمة وهى تقول: " زى ما فتوح كان بيعمل".

أى حب هو هذا يا جدى؟ أى حب هو ذاك الذى يدفع جدتى لتوصينا بعدم نسيان شراء حلوى العيد لتجهز لنا طبق العيد.. طبقك بالأحرى؟ لم تعد جدتى تقوى على الخروج من المنزل منذ سنوات طويلة مضت وأنت تعلم ذلك، ولكنها مع ذلك تشدد علينا جميعًا عدم نسيان شراء مستلزمات طبق الحلوى، غريبة الفكرة أليس كذلك؟ أن تفاجئنا جدتى بما أوصتنا نحن بشراءه؟
أشعر أحيانًا أنها تشتري حلوى العيد من أجلك لا من أجلنا، لكننى أطمئن دومًا لوجود ذلك الطبق على سفرتها فى صباح كل عيد.

هل تعلم أننى تعلمت الأمر منك؟ أى الحفاظ على طقوس ما فى كل مناسبة لتستقر فى أذهان كل مَن فى المنزل، تغمرنى سعادة بالغة فى كل مرة يخبرنى أهل البيت بأنهم يشعروا بالمناسبات المختلفة بفضل طقوسى، لكنه فضلك أنت يا جدى، طقوسك أنت.. عاداتك أنت التى انتقلت لى لا شعوريًا، ربما هكذا تستمر البيوت برغم منغصات الحياة، بذلك الدفء النابع من الذكريات .. من الطقوس..من المراسم المميزة لكل بيت..هذا ما يجعل جدران البيت تصمد لوقت أطول. 

أنا فقط افتقدك يا جدى.. افتقد أن أعود طفلة مرة أخرى تراقبك وأنت تتابع تحركات  مؤشر الميزان الأحمر الكبير لتزن أكياس البلح، وأظننى الآن فهمت ما  كنت تقوم به، كنت توزع الدفء  لا البلح على أبناءك الثمانية.

رحمك الله يا جدى



الخميس، 27 أبريل 2017

بلوتو الدور الرابع 20- سنحاربهم بالطبخ

عزيزي علي..ابن بلوتو البار، القريب جدًا.. البعيد جدًا

كيف حالك يا صديقى؟


 أكتب لك الآن وأنا أشكر الظروف التي حالت دون كتابة هذا الخطاب من يومين، من يومين فقط يا صديقى لو كنت كتبت لخرج ما أكتب قاتمًا كئيبًا، كنت في حالة من الملل الشديد الذي يصيبك بإرهاق شديد،  لا مجازًا وإنما أعنى أن يتحول الأمر بالفعل إلى آلام تطارد جسدك.. آلام فى معدتى.. اضطراب فى نومى، حالة خمول تام، والعجيب أو السخيف أنها حالة من الملل لا لأنك لا تجد ما تفعل، بل  ذلك الملل  الذى يتسلل إليك فى قمة الانشغال بما تفعل، ملل من كل شىء، وأى شىء، هل تظن الملل يا صديقى هو اللفظ المناسب هنا؟ لا أظن.. ولا أمتلك توصيفًا مناسبًا.


 هل تعرف تلك الحالة التى تبدو معها كل الأشياء ثقيلة على النفس، حينما لا تقوي علي فعل أي شئ، وإن اضطررت فأنت تدفع نفسك دفعًا لأداء المهام الموكلة إليك سواء المجبر عليها أو حتى المحببة إليك.. يتساوى كل شىء..وكله ثقيل الوَقع على نفسك، تؤدى كل شىء ولسان حالك يردد متي سينتهي هذا المشوار؟ متي سينتهي هذا الحديث؟، متى سأعود للمنزل؟،  ثم يقودك ذلك للسؤال الأعم والأشمل: متي سينتهي هذا العبث عمومًا علي كل الأصعدة؟ فتحت وقتها جهاز اللاب توب فى محاولة منى للكتابة لانتشال نفسى من تلك الحالة، سطرت كلمتين : "عزيزي علي" ثم انتهي الأمر عند هذا الحد، ربما خفت يا صديقي، ليس منك، فأنت أكثر مَن آمنه، ولكن خفت من نفسي، خفت أن أكتب.. خفت أن أقرأ ما كتبت، خفت أن أطلق العنان لأفكاري في خطابي، وأنا أعلم أن أفكاري لم تكن سوية حينها، لا يعني الأمر أنها غير حقيقية، ربما لكونها حقيقية جدًا خفت أن أكتب، كانت أفكارى حينها بمثابة مراجعات فكرية عن عدة أشياء وأشخاص، ففضلت ألا أكتب.. فضلت الانتظار لتنقضي فقط تلك الفترة، وتتتراجع هذه الأفكار إلى قاع وجدانى مرة أخرى، علي طريقة أحمد منيب:  (دة كل شيء له يوم..زي السحاب يمشى)، أعتقد يا صديقى أن ليست كل المشكلات تحتاج إلى وقفة من جانبنا لحلها، بقدر ما تحتاج أحيانًا إلى تجاهلها..فقط تجاهلها.


قضيت تلك الأيام في المطبخ بعد أن فشلت محاولات الكتابة والقراءة ومشاهدة التلفاز والخروج والحديث، هل أخبرتك  من قبل أنني أطبخ حينما أكون محبطة؟ وفي أحيان قليلة حينما أكون سعيدة، كذلك اليوم الذي اقتنصت فيه تذكرة لحفلة عمر خيرت، في الطريق للمنزل هاتفت أمي وأخبرتها ألا تطبخ لأنني سأفعل، كنت سعيدة وفي مزاج رائق للطبخ، أما حينما أكون محبطة فإعداد الطعام يكن وسيلتي لإخبار نفسي أن كل شئ علي ما يرام، بإمكان الأوجاع أن تذوب تمامًا كما يذوب قالب الزبدة هذا، بإمكان الحال أن يتبدل كما تتبدل مكونات الطبخ من مواد خام إلى صورة أخري، بإمكانى السيطرة لتحويل كل هذه المكونات الممتدة أمامي علي طاولة المطبخ إلى شىء ما يمكن تناوله، مازلت أقوي على السيطرة.


بإمكان قالب كيك أن يمدني في أوقات إحباطي بالدفء.. أنا لست محبة للحلويات عمومًا، ولا تندرج تحت أصناف الأكل التي قد تحسن مزاجي، لكنني أحب رائحة الخَبز في المنزل، ربما هذا ما قد يحسن مزاجي، تمامًا كما أحب رائحة القهوة، دون أن أحب شربها، أما حينما يثني أفراد المنزل علي الكيك، فأشعر وقتها أن ذلك بمثابة اعتراف ضمنى بأننى مازلت أقدر.. حتى لو انحصرت القدرة فى شىء ساذج كإعداد بعض الحلوى.



أعلم ما يدور ف ذهنك حاليًا، ربما تكتم الضحكة في أعماقك علي ما أخبرك به، ربما تتندر علي سذاجتي، لكن أقسم لك أن الأمر قد يكون أعمق مما يبدو عليه من سذاجة، وأكاد أجزم أن العلم قد يمتلك تفسيرًا وجيهًا لذلك، لماذا إذن برأيك ظهر القول الشهير: "When life gets complicated bake a cake"؟

هل تعلم يا صديقي ماذا كنت أفعل في 3 يوليو ٢٠١٣؟ فى أوج الاضطرابات السياسية والتوتر يخيم على الأجواء سواء فى الواقع الفعلى أو الموازى على شبكة الإنترنت أوحتى بداخلى؟ كنت حينها أتابع قالب التشيز كيك فى الفرن!

 ربما هو أمر نسوي بحت قد لا تستوعبه يا صديقي، وربما بالنسبة للبعض يكون التنظيف المقابل للطبخ، فقد أخبرتني صديقة أنها بعد أزمة عائلية ما واجهتها (مسكت الشقة قلبتها) في إشارة منها للمجهود المبذول فى التنظيف، ذكّرتني بمشهد هند صبري في فيلم لعبة الحب حينما تورطت بعلاقة مع خالد أبو النجا، فما كان منها إلا أن نفثت عن توترها بتنظيف البوتاجاز! 


أزعجنى فقط أننى حينما أخبرت بعض صديقاتى بأننى أنفث عن توترى بالطبخ، تأكيداتهن حينها أننى أفعل ذلك لأننى لست مضطرة للطبخ يوميًا، قد يكون فى كلامهم شىء من الحقيقة، لكنها ليست كل الحقيقة، لم يزعجنى حديثنا عن الطبخ بقدر ما أزعجتنى الفكرة الأشمل، بإطلاقنا الأحكام على ما يمر به الغير لمجرد إسقاطه على ما مررنا به.. التجارب ذاتية يا صديقي، وما تقر به أنت على أنه حقيقة فى حياتك، قد لا يكون كذلك فى حياتى، لى تجربتى ولك تجربتك، طبّق ذلك على شتى أمور الحياة من الطبخ للعلاقات بين البشر، كلٌ منا تجربة قائمة بذاتها، فقد يمثل لك الطبخ عبء ويمثل لى متنفسًا للتوازن، قد تسير علاقة ما فى حياتك بصورة ما، وتسير معى بصورة أخرى.. وهكذا..وليس مطلوب أكثر من أن نكن أكثر مرونة فى تقبل الفكرة لإعطاء الغير المجال لخوض التجربة دون إسقاطات من جانبنا  على تجاربهم فى ضوء تجاربنا.

ولذا فسيظل هو وسيلتى فى مواجهتهم جميعًا يا صديقى: الأفكار غير السوية.. والإحباطات.. والتوتر.. ومَن لا يؤمنون بذاتية تجربتك في الحياة..سنحاربهم بالطبخ.


                        دمت بخير وبعيدًا عن الاضطرار لخوض حروب حياتية

                                                                                            من كوكب الأرض.. مع تحياتى،،


 

الأربعاء، 22 مارس 2017

بوسطة 5 - رانيا الخضرى..تانى :)

عزيزتى رانيا .. أكتب لكِ خطابى الثانى، بينما أنتِ تستعدين الآن  لصعود طائرة تُقلّك لتلك البلاد البعيدة، لكن ليس تأثري بسفرك هو السر وراء كتابتى لكِ، رحلتك قصيرة، وباعى مع السفر طويل، اختبرته فى غياب أحبتى مرارًا، وآلمنى قدر ما آلمنى إلى أن أصبحت مشاعرى تجاه فكرة المسافات جامدة، أظن أن الوجع الأكبر يكون دومًا فى اختبارك لشعور ما للمرة الأولى، فما أن يتكرر إلا وتعتاديه، لا يعنى ذلك أنك لا تتألمين من تكرار اختبار مشاعر قاسية، لكن كل ما فى الأمر أنك تعتادى الأمر..هكذا ببساطة.

لما أكتب لكِ إذن؟
أكتب لكِ بسبب ما قرأته عن أننا نحتاج فى أوقات الشتات لأن يتكرر على مسامعنا أننا محبوبين، أننا لازلنا نعنى شىء ما لمن نحبهم، تلك الأوقات التى يتسلل فيها للمرء ذلك الشعور اللعين بالشك تجاه كل شىء.. وكل الأشخاص، حتى المقربين، أو للأحرى ربما أول ما يصيبنا الشك فإنه يختار أن يتسلل لنا بشأن المقربين!
لم يزعجنى سؤالك يا صديقتى الذى أرسلتيه من قلب المطار عما تعنيه أنتِ بالنسبة لى، باغتنى السؤال لا أخفيك، لكنه لم يزعجنى،  ولم أراه ساذجًا كما تصورتى، أعلم ذلك الشعور جيدَا، إذ أنه ربما تسلل لى شك مشابه مؤخرًا فى كثير من مسلمات حياتى، ربما لم أهتدى بعد لإجابات حاسمة، لكننى عاصرت تلك الحالة الشعورية، وأعلم جيدًا حجم الارتباك الذى تترك المرء يصارعه.

لهذا تحديدًا أكتب لكِ الآن.. لأننا فقط نحتاج أحيانًا أن نطمئن أننا مازلنا فى نفس المكانة لدى من نحبهم، نحتاج أن نطمئن أننا لازلنا جيدين بما يكفى لنصبح محبوبين، وأظن أنه باب نمر منه جميعًا، ولندعى ما شئنا من القوة إلا أننا فى النهاية قد نستمد إحساسنا بأنفسنا ممن نفسح لهم فى القلب مكان، وكأنهم يمدوننا بالطاقة اللازمة للاستمرار، أو يوفرون لنا سبب وجيه يجعلنا نجدد صراعنا اليومى مع الحياة، وبحجم مكانتهم فى قلوبنا، نتمنى فقط لو أن لنا مكان مماثل فى قلوبهم.

أنا هنا لأطمئنك يا عزيزتى بكلمات أزعم انها أصدق ما أملك.. علّنى أستطيع بذلك  المساهمة فى انتشالك من أفكار تسحبك كما الدوامات لنقاط مظلمة كقاع البحر، ربما أتمكن بذلك الخطاب أن اسحبك بعيدًا عن الموجات تلك.

هل تذكرين ذلك اليوم فى العام الماضى حينما كنا ضمن منظِمي ذلك النشاط فى مقر عملنا، كنا على "الاستيدج" الممتلىء بالناس حينها، كلانا مكلفة ببعض الأعمال، واليوم يشهد حالة طوارىء بسبب ذلك الحدث الكبير، الحركة على "الاستيدج" تزداد، أفراد كثيرة تعلوه، نبتعد أنا وأنت وكل منا تنجز شىء ما، ثم تنظر كل منا للأخرى، ثم تكمل ما بدأته من انجاز بعض المهام، نظرة  خاطفة سريعة لا معنى لها سوى أننا نتفقد بعضنا البعض، ربما كنا نستمد شىء من الاطمئنان، ثم نكمل، تكرر الأمر أكثر من مرة، أذكر أننى سألتك فى إحداها، هل تريدىن شيء؟ فاجبتينى " لأ..بتطمن بس إنك هنا"، أنا أيضًا يا صديقتى كنت أتفقدتك لا لشىء سو لأتطمئن أنك هنا.

هل تذكرين ذلك اليوم الذى ذهبنا فيه لأداء واجب العزاء؟ كنتِ حينها منهارة، كنا نسير على ذلك الرصيف باتجاه العزاء، وما أن اسير إلى جانبك إلا وأجدك تحيطننى بذراعك، شعرت حينها أنك تناديننى لأتشبث بك، وأنك فى الوقت ذاته تطمئنينى وسط انهيارك أنك بخير ولا داعى لأن أقلق، عنى لى ذلك كثيرًا وقتها لو تعلمين، كنتِ أنتِ من تبكى، و"يطبطب " فى الوقت ذاته.

هل تذكرين يوم أن جلست أتحدث معك قريبًا فى ذلك اليوم عن مشكلة ما أواجهها، حينها أجبتينى: " بدماغ رانيا أنا هعمل كذا..لكن أنا عارفة إن دى مش دماغك..بدماغ سمر أعملى كذا".. ابتسمت حينها لأننى عرفت أننا وصلنا لمرحلة ما من التفاهم جعلتنا نقبل اختلافاتنا، كنتِ من قبل تهديننى الحلول فأخبرك أنها لا تليق علىّ، لا تتفق مع تركيبتى، قتضيقين بى ذرعًا كما لو أنى لا أريد حل، وأضيق بك ذرعَا كما لو أنك لا تتقبلى الاختلاف وتأبين إلا أن أطبّق وجهة نظرك، لكن حينما أهديتنى حلاَ فى ضوء شخصيتى، أهديتنى معه دون أن تدرى شىء من الاطمئنان أننا قد وصلنا لأرض مشتركة تضمنا رغم كل تلك الاختلافات بيننا.

أعدد لك مواقف جمعتنا لأعيد تذكيرك بأنك هنا.. لا فى مكانتك التى تظنيها فى قلبى، بل فى مكانة أكبر رتبتها الأيام والمواقف دون تدخل منكِ أو منى، أعدد لك المواقف؛ لأننا فى أوقات الشتات نحتاج من يذكرنا بأننا محبوبين، لأننا فقط نحتاج حينها أن نطمئن، فاطمئنى وأجمعى شتات نفسك.

وأعلم جيدًا أن ما أود إيصاله لكِ سيصل تمامًا كما أعنيه، إن صدقتيه سيصل، ألم تخبريننى من قبل إن "المشاعر بتوصل".. بتوصل..مش كدة؟ :)

الخميس، 2 مارس 2017

بلوتو الدور الرابع 19- أشياء من هذا القبيل

عزيزى على، 
                صديقى الفضائى الذى باتت استهلالات خطاباتى له مستهلكة تمامًا لاستخدامى نفس الوصف فيها دومًا..سواء بنفس الكلمات، أو بنفس المعنى مع اختلاف الكلمات: "صديقى القريب جدًا بعكس ما تُقره المسافات"، ليس فقرًا فى خيالي، ولا افتقارًا إلي التراكيب اللغوية، لكننى استخدم نفس الوصف بقدر ما أشعر أنه حقيقة، لذا فعليك أن تعتاد التعبير، ألا يقولون عليك الحذر ممن يجيد الكلام، أتمنى أن يشفع لى ذلك فى ثبات ما أصفك به فتأمننى، ربما لا أجيد مناداتك فى كل مرة بتعبيرات جديدة، لكن ثق أننى إن كنت أقدم القليل، فقليلى صادق، وبالصدق يزداد القليل.
   كيف حالك يا صديقى؟ كيف مرت عليك تلك الشهور التى انقطعنا فيها عن التراسل، أو بالأحري انقطعت فيها عن مراسلتك؟ 


توالت خلال تلك الفترة عدة أنباء تتعلق بالفضاء، بين اكتشاف كواكب جديدة صالحة للعيش، وبين رحلات ناجحة للفضاء، وأشياء من هذا القبيل، قفز إلى ذهنى كالعادة عند سماع أخبار مماثلة أنه ربما يمكننا أن نلتقى، ربما يخدمنا العلم الحديث فيجعل رحلة إلى بلوتو أسرع من مشوار عبر كوبرى أكتوبر، لا أخفيك يا صديقى أن الفكرة ربما تخيفنى أحيانًا، أخاف  أن التقيك فيخيب ظنى عنك، ألا أجدك كما رسمتك فى مخيلتى، ماذا إن لم تكن طيب كــ E.T الذى أخبرتك من قبل أننى أتصورك تشبهه؟ ماذا لو أنك لم تكن مثلك كما أنت مستقر فى ذهنى؟ هل تعتقد يا صديقى أن بالفعل الأشياء تكتسب جمالها بالقدر الذى "نظنها" جميلة بقدره، وأن الأشياء الجميلة جميلة فقط لأننا نصّر أن نراها كذلك، فيكون جمالها ماهو فى حقيقته إلا إنعكاسًا للمعنى الموجود بداخلنا عنها؟

ربما.. ربما نضفى بالفعل صورة ملحمية عن بعض الأشياء والأشخاص ممن يعنوا لنا الكثير، ولا أظنه فعل ساذج فى المطلق، بل ربما  هو سر من أسرار الكون الذى يجعل هناك رابطًا سحريًا موصولاً بينك وبين أشياء أو أشخاص بعينهم، فترى فيهم شيئًا جميلاً قد لا يراه غيرك، بل قد لايروه  هم فى أنفسهم .

اعتقد أن المهم يا صديقى هى ألا تكن تصوراتنا خيالية، وأن تكن لدينا القدرة على تحجيم جموحنا، وأن تتماس تصوراتنا الخيالية مع الواقع، فلا نتركها تنمو بمعزل عنه،  وبنفس قدر الأهمية أظن أنه من الضرورى أيضًا ألا نظلم الآخرين بتصوراتنا المبالغة  التى نصيغها بشأنهم، أن نتذكر أنهم في النهاية بشر..يسيئون التصرف.. يجانبهم الصواب.. تتملكهم حالات مزاجية متقلبة، وأشياء  أخري من هذا القبيل، ربما حينها فقط نجد سلاسة ما تغلف علاقاتنا وتجعلها أيسر، يذكرنى الأمر بمنشور طالعته على فيس بوك قال صاحبه: " لا تعاتب الدنيا يا صديقى على إسرافك فى التوقعات" ..وأود لو بإمكانى أن أضيف عليه : " ولا تظلم الآخرين بتصوراتك المبالغ فيها بشأنهم"، وإن كنت تسأل فى ذهنك كيف يكون هذا ظلم للآخرين، فدعنى أجيبك بأن تصوراتك المسبقة عن الغير  حينما لا تجدها تطابق ما رسمته أنت فى خيالك‘ فإنك حينها تغفل عن رؤية الجميل فيهم، لأنك فقط تبحث عن جميل محدد صغته مسبقًا فى مخيلتك، فتكن النتيجة الحتمية  أن تصاب بخذلان لا يلاموا عليه، ولا يسألوا عنه.

قد يكون تفنيدى لكل هذا يا صديقى محاولة منى لترديد ذلك على نفسى بصوت عالى حتى أتغلب على خوفى من الفكرة، لكننى حينما أتيقن من أننى قادرة على إخبارك بما أخافه..تتسلل إلى قلبى سكينة ما .. وبعض الاطمئنان..وأشياء من هذا القبيل.

دمت بعيدًا عما يصيبك بالخوف يا صديقى.. وقادرًا على احتواء مخاوفك.
                                                               من كوكب الأرض.. مع تحياتى،، 


السبت، 17 ديسمبر 2016

ممر آمن للحزن

ثمة إمارات كثيرة تشير لأن شخص ما بإمكانه استيعابك وفهمك واحتواءك، قد يكون منها عدم التسفيه من أى شىء يعنى لك الكثير حتى وإن كان خارج نطاق اهتمامه بالكامل، أو أن يهتم بمشاركتك نشاط ما  لإدراكه بأن هذا النشاط يُسعدك، أو أن يصغى لك حينما تندمج فى حكى تفاصيل حياتك  اليومية ويستوعب ثرثرتك عن قصص قد لا تعنيه بالمرة، لكنه برغم ذلك يعطيك من وقته وقلبه براحًا لتملؤه بقصصك الفارغة.

 قائمة الاحتواء طويلة، لكنى إن اخترت أكثرها أهمية سيكون بلا شك استيعاب الحزن وفهم السبيل للمواساة كما ينبغى أن تكون.


يخطىء من يظن أن مساعدة الغير فى تجاوز أحزانهم تكون بمحاولة إنكار أسباب الحزن وتصغيرها مقارنًة بأسباب يفندها على أنها وحدها ما تستحق الحزن، مخطىء أصلاً من يلجأ للمقارنة كأسلوب يلجأ إليه فى عقد المقارنات الشخصية؛ والسبب فى أنه لا يمكن عقد مقارنات شخصية لأنها شخصية، هكذا ببساطة، قدرتك أنت على التحمل تختلف قطعًا عن قدرتى أنا على التحمل؛ لأننى شخص ولأنك شخص آخر، وحِد أولاً مختلف الظروف بين شخصين وطابقها تمام التطابق بما فيها السمات الشخصية للاثنين ثم حدثنى عن عقد المقارنات كما شئت، ثم أخبرنى حينها ما ينبغى الحزن بسببه وما لا ينبغى أن يعلن القلب الحداد عليه، ناهيك أنه لا يمكن أن تقدم المساعدة للغير بالتسفيه مما يواجهونه ظنًا منك بأن محاولات تصغير الحزن تمحيه، الحزن لا ينمحى إلا بعد أن يستنفد وقته معنا، بل ومن الصحى أن نترك للحزن مجاله الطبيعى للمرور من داخلنا، أن نفسح له المجال ليسكننا بالكامل، حتى يغادرنا بالكامل، أما حالات تضليل أنفسنا بشأن بعض أحزاننا فمهما أظهرت جدواها وقتيًا تكن فى النهاية نتيجتها الحتمية وقوع مدوى، الأمر أشبه بما أخبرنى به صديق يومًا بأن الإنسان كأى مادة فيزيائية ما لم ينفّث عما يملؤه أولاً بأول فإن النتيجة النهائية الانفجار.


ربما أكثر طرق المواساة صدقًا هى فقط بالوجود وقت الحزن.. الوجود فحسب، بإمكان ضغطة على اليد أو تربيت علي الكتف أو ضمة إلي الصدر وقت البكاء أن تنتصر على كل الكلام وتدحضه، ربما الكلام هو آخر ما نحتاجه وقت البكاء، لا نحتاج صياغات مستهلكة وقت هشاشتنا لتمنع دموعنا، بل نحتاج ممرًا آمنًا نسير فيه مع أحزاننا بسلام إلى أن ترحل عنا،  ممر يُسمح لنا فيه بتفريغ  كل هذه الدموع، ربما صاغت صديقة الحالة بدقة في عزاء زوج صديقة آخري، حينما كان المعزون يحاولون إثناء صديقتنا عن البكاء على زوجها الراحل، التفتت حينها الصديقة الأولى لتخبرها: ابكى.. ابكى ما شئتِ من البكاء على زوجك، عبري عن حزنك بصورته الطبيعية ولا تلتفتى لما يقولون، ثم بدأت في التربيت علي يدها..بكت، بينما لم ينقطع تربيت الأولى على يدها، ربما هذا فقط ما نحتاجه وقت الحزن، مَن لا يقاوم طبيعتنا الإنسانية بمزاعم فارغة عن أن الحزن ضعف، ويسمح لإنسانيتنا أن تتجلى لينجلى معها الحزن بعد أن يمضي وقته الطبيعى معنا، ألم يتغنى محمد رحيم قائلاً : " وساعات بحّس إن البُكا غيمة..ينزل مطر ويطهر الإنسان"؟


ربما كل محاولات التحايل على الحزن تكون مبذولة من الآخرين بصدق حقيقى، لكنها للأسف تؤذى أكثر مما تفيد، ولذا لا استوعبها أحيانًا، لا استوعب أن اشتكى مثلاَ من إصابة ما فى يدى، لأجد من يخبرنى أن عينى سليمة، أنا لست ناقمة لنعمة البصر ليستدعى الأمر التذكير بها، لكنى أشتكى من يدى لأنها تؤلمنى، هذا تحايل على آلام يدى، وهكذا يكون التحايل على أحزاننا، المواساة الحقيقة وقت الحزن لا تكن بتقديم الحل وإنما فقط بافساح المجال لهذا الحزن لأن يعبر عن نفسه دون التحايل عليه أو التسفيه منه، المواساة الحقيقة تكون بافساح المجال لأن أتألم من يدى المصابة دون خوف من تصنيفى بأنى  ضعيفة لا اتحمل الألم، ودون مصادرة على حقى فى أن أتألم، وبتحمُل تصريحى بالألم إلى أن تشفى يدى.