الأربعاء، 5 أغسطس 2015

عشرة دقائق

كانت اللعبة تقتضى أن يختار ثلاثة أشياء تختفى من عالمه للأبد، على أن يكون الاختيار خلال عشرة دقائق فقط، وإلا يزول مفعول التعويذة..وتزول معها وللأبد فرصة أن ينعم بحياة خالية من بعض المنغصات..ثلاثة منغصات.

ارتبك كثيراً مع ضيق الوقت..كيف يمكن للإنسان أن يفاضل بين كل ما يعاني منه خلال دقائق قليلة فقط..فكر لوهلة أنه يمقت تردده وارتباكه..ربما ليس هنالك ما هو أكثر مقتًا وبغضاً من أن تقف فى منتصف المسافة دائمًا غير قادر على الحسم..لا تدرى هل تواصل المضى قُدمًا أم أن تشد الرحال بعيدًا على طريقة " لف وارجع تانى"..ليس هنالك ما هو أكثر إرهاقًا للنفس من أن تظل فكرة ما عالقة فى ذهنك، لا يمكن طردها ولا يمكن تنفيذها..تأُدُبًا تقول عالقة فى ذهنى..فى حين أنك أنت العالق والتائه فيها. 

 التفكير المبالغ فيه مع عدم القدرة على اتخاذ قرار مؤذِ للغاية ..فعل كريه مؤذِ، وحماقة يرتكبها المرء فى حق نفسه.


كم دقيقة مرت مع فوضى الأفكار تلك؟ يا الله .. سبعة دقائق متبقية  وفرصة عمر ..وفوضى ..فوضى أفكار..كثير من الفوضى..وكثير من الأفكار.

خمس دقائق..أربع دقائق و59 ثانية .. أربع دقائق و58 ثانية ..
مرور الوقت مخيف..مخيف أن تدرك أنك استهلكت أوقاتًا طويلة وأهدرتها فى اللا شىء..ولا ترى بريقها إلا فى وقت التلاشى..تلاشى الوقت.. لهذا يقولون الوقت كالسيف.. لماذا كنا نكابر فى الاستماع لتلك المقولات ونراها سخيفة مبتذلة ؟.. لو عاد بى الوقت وعدت طفلاَ فى قاعة الدراسة لأبديت اهتمامًا أكبر بكل تلك المقولات المطبوعة على ظهر الكتب والكراسات..لكن..لكن الوقت لا يعود..لا يمضى للخلف .. لن أستعيد سنوات الدراسة ولا الخمس دقائق المنصرمة التى لم أقرر فيها شىء..تداعى ذلك إلى ذهنه وهو يفكر حينها.

إهدار الوقت فيما لا يضيف لحياتك معنى حقيقى هو نوع من القتل الرحيم الذى لا يدرك المرء أنه يقترفه بيده.


إذن سأختار التردد.. و إهدار الوقت .. والتفكير الكثير بلا تنفيذ .. ربما يبدو هذا مثالياً للغاية ،  كرر ذلك على نفسه ظانًا أنه قد حسم أمره، لكنه سرعان ما تراجع قليلًا مرددًا أن  الحياة موجعة بشكل يفوق هذه الاختيارات الثلاثة فقط..وانه لن يسعد تماماً مع كل هذا الكم الموجع من المواقف الحياتية المزعجة وهذه الاستثناءات الثلاثة فقط ،إذن ..أهو الجشع ..طمع المرء الذى ينتزع منه الرضا والسعادة وتقدير ما هو متاح له؟

التطلع لما لا تملك قاتل إن لم تهذب نفسك بالرضا.


دقيقتان..دقيقتان فقط وإلا لا شىء تمامًا ..ربما عليك بشىء من المغامرة .. ألم تعش عمرك كاملاً تردد على نفسك أنه من النضج أن تخوض التجربة بغض النظر عن نتيجتها.. لا نتيجة محسومة أساسًا فى الحياة بأكملها..والتجارب جميعها دروس..منها فقط دروساً قاسية ..وأخرى تأتى بنتائج مرضية..لكنها كلها دروس.. ألا يقولون أن حتى النعمة ابتلاء  يختبرك به الله..إذن فكل التجارب دروس،  لكننا أحيانًا فقط نتحول لتلاميذ بليدة لا تستوعب..ولا تنتبه.


دقيقة .. على بُعد دقيقة واحدة فقط من تلاشى الفرصة،عرف وقتها تماماً ما ينقصه..حينما بدأت الفرصة تتلاشى من أمامه بدا كل شىء واضح.. ردد بصوت عالِ وهو يلهث فى سباق مع الثوانى:

1- الخوف: لا أريد الخوف فى حياتى.. لا أريد أن أعش بكل هذا الجبن وراء ذلك الجدار السخيف الذى يفصلنى دائمًا عن كل ما أحب .
2- المسافات:  يجب أن يتم محوها.. ومن حق المرء أن يكون  قريبًا من كل مَن وما يحب .. المسافات مرهقة.. والبُعد دومُا يجعل شيئًا منك يتآكل.. سواء بُعدك عمن تآلفهم روحك، أو بُعدك عن كل ما يجعل الشغف يسرى فى عروقك من أشياء.. انعدام شغفك يتركك باهتًا.
3- المرض: أتقبل فكرة الفقد ..الموت حقيقة، فأريده هادئًا، ووحده المرض دومًا يرعبنى بصورة أكبر ..لا عجز حقيقى يضاهى رؤية من تحب يتألمون وأنت لا تملك شىء تدفع به هذا الألم عنهم.. ولا عجز أكبر من شعورك أنت بأنك عاجز حيال نفسك..الألم بغيض وقاتل للشعور قبل الجسد.

ربما كان يعلم الإجابة منذ الدقيقة العاشرة فى العد التنازلى.. يعلمها تمامًا بداخله، لكن وحده خوفه يصنع دائمًا مسافة بينه وبين اختياراته، وهو فعلاَ مرض.

الأربعاء، 22 يوليو 2015

ذا الشعر الفضى

كنت أمر عليه يوميًا في طفولتي..بيته قابع في ذلك الشارع المؤدي للمكتبة التي اعتدت تمضية أجازة الصيف مشارِكة في انشطتها..عجوز في الستينات أو السبعينات ربما، شعره أبيض أقرب إلى الفضي، زحف شعره ليتراجع عن مقدمة الرأس بفعل الصلع والزمان، يرتدي عادةً تلك البيجامة ذات الخطوط الطولية، وبنظارته السمكية وانحناءة ظهره يجلس علي كرسي البلكونة ليقرأ من المصحف وِرده اليومي ليطّهر روحي أنا بمجرد النظر إليه، وكأن خيط سحرى يسرى فى الهواء ممتدًا من بلكونته واصلاً لتلك النقطة البعيدة فى روحى ليصيبها مباشرًة بتأثير ومفعول التلاوة المُسكّن، مشهد يومى مهيب رغم بساطة تفاصيله..مشهد  كان جديرًا بأن يلمس أبعد نقطة في قلبي ويغمر روحي بسلام وجداني عميق لسبب لا أعلمه ليومنا هذا.


أطلقت عليه أنا وصديقاتي اسم " جدو "..

كنا نسير سويا نثرثر ونملأ الشوارع بصخب طفولي.. ولا إراديًا، وبمجرد أن نمر تحت بلكونته  ننظر إليه في شئ من الجلال،  يتراجع صخبنا وتحل السكينة محله في لحظات قليلة من الصمت، ثم نواصل بعدها ثرثرتنا..ونستعيد صخبنا ويستعيدنا..
مشهد يومي متكرر: نلتقي..نثرثر..نمر تحت بلكونته..ينقطع حديثنا..ننظر لبلكونته وكأننا نطمئن عليه، ثم نمضي فى طريقنا.


لا أذكر أنه التفت إلينا يومًا، كأنه يذوب تماما في المصحف وينفصل عن العالم فلا يري ولا يسمع ولا يشعر بشيء آخر خارج حدود  عالمه .. ذلك العالم الفسيح رغم أنه حسابيًا محصور فقط في كرسي ومنضدة صغيرة و بلكونة " كام متر" ، ولكني كنت أحسه كذلك، عالم فسيح وجميل ومبهج، وبه شئ من الغصة أيضًا..غصة أن نراه يوميًا وحيدًا في بلكونته..يقرأ في المصحف..أو يتناول إفطاره بمفرده إذا تأخرنا بعض الشئ ولم نلحق بتلاوته للقرآن.


لا أعلم كم سنة مرت علي ذلك على وجه الدقة..خمسة عشر أو عشرين..أو أكثر أو أقل..لا أعلم ولا أهوى الحسابات التى تؤكد لى مرور زمن ليس بقليل على أوقات كانت جميلة..فى الواقع أخشى الدخول فى دائرة الحسابات تلك، فقط أتجاهل الأرقام وأحتفظ بالذكرى الجميلة تجنبًا للفزع من فكرة سرعة مرور الأيام، لا أعلم كم سنة انقضت على ذلك..كل ما أعلمه جيدًا أنني حينما مررت مؤخرًا من ذلك الشارع، سبقني بصري رغمًا عنى إلى البلكونة .. لم أجده، خلا الشارع من صخب الطفولة..ومن صديقاتي..انطبق صدري بعض الشئ وكأنني كنت منتظرة أن أعيش المشهد القديم فلاش باك ولكن آلة الزمن أصابها عطل مفاجى فأنطبق صدرى.


   بدت البلكونة أضيق من المعتاد وكذلك الشارع، ربما لأننا كنا صغار فكانت تتسع المساحات وتتضخم أمام ضآلة أجسادنا..وربما لأنها كانت أيام تضفي براحًا علي كل شئ مهما كانت وحشته فكنت أرى البلكونة واسعة بحجم الكون..كونى الصغير آنذاك على الأرجح..انقضت تلك الأيام فذهب البراح وبقت الوحشة..ربما

الأحد، 28 يونيو 2015

بلوتو الدور الرابع 15- حياتيات

عزيزى على، صديقى الفضائى القريب جدًا رغم كل تلك السنين الضوئية التى تفصلنا

                                    كيف حالك يا صديقى ؟


أردت اليوم يا صديقى أن أشركك معى فى بعض التجارب الحياتية، علّها تفيدك وتكن لك مرشدًا تهتدى به إذا ما أعجزك بعض ما تصادف فى الحياة من مواقف.

 صحيح أننى لا أعرف كيف تسير الحياة على كوكبك، ولا كيف هم مَن تتقاسم معهم الحياة أو ما هى طبائعهم، ولا  أخفيك  سرًا يا صديقى أننا أهل الأرض لسنا متأكدين من وجود كائنات من الأساس على  سطح بلوتو، لكننى أشعر أنه يتحتم علىّ أن أنقل لك بعض مما استخلصته مؤخرَا من الحياة.

وسأترك لك ترجمة وتفسير ما أقوله حسبما تشاء ووفقًا لطريقة إدارتك لعالمك وحياتك الخاصة،  فالنصيحة لم تكن يومًا إلزامية  يا صديقى ولا ينبغى لها، لكننى فقط  أريد ألا تصادفك حيرة حيال أمر ما تواجهه وتشعر أنك وحيد فى مجابهتها، ربما إذا تذكرت حينها أن ثمة مَن كان يسعى لتوجيهك وتجنيبك الحيرة بإسداءك النصيحة، قّلت حدة المشاعر المحيطة بصعوبة ما تواجه، وأعتقد يا صديقى أن هذا هو الدور الحقيقى لأى نصيحة: أن تشعرك أن هناك  مَن يعاصر معك آلامك وحيرتك ، ويفكر معك  بصوت عال، مهديًا إياك فى النهاية عصارة خبرته وتفكيره فى ضوء معطيات ما تعيشه، ليضعك على الطريق الذى أرتأى له أنه الصحيح..بغض النظر عن مدى صحته فعلاً، وبغض النظر عن إلتزامك بالتطبيق، لكن تبقي فى النهاية يا صديقى محاولة النصح الصادقة  نوعًا من المساندة المعنوية الكفيلة بأن تقلل دومًا من حدة ما تواجه.


  •  عليك يا صديقى أن تكن مباشرًا فى التعبير عن ذاتك وعما تريده، ولا تفترض فيمن تتعامل معهم أنه ينبغى عليهم فك شفرات ذاتك، أصبحت حياتنا سريعة الإيقاع يا صديقى، ولم يعد هناك مجالًا للأحاجى والألغاز، ولم تعد لدينا طاقة للتنبوء والاستنتاج، أذكر أننى سمعت يوماً جملة فى حديث عابر، رددت فيه تلك المرأة بحسم شديد : " لا تفترض فيمن تتعامل معهم الذكاء الذى يكفل لهم استخلاص ما يدور فى رأسك..بل عليك أن تكن بالذكاء الذى يكفل لك الوضوح والبساطة فى طلب ما تريده مباشرةً" ..وأَحسبُها على قدر من الصواب يا صديقى فيما قالته..الحياة بها ما يكفى من التعقيد، ولا ينبغى علينا أن نزيدها تعقيدًا، أعرف أنه يعّز على المرء طلب الكثير من الأشياء..وأن تركيبتنا الإنسانية تحتاج أحياناً أن يشعر بك الآخرون دون أن تتحدث، ولكن اتضح يا صديقى أنه ليست هكذا تدار الأمور.


  •  أحِرص على ترك مسافات آمنة بينك وبين كل ما تشتهى وتتمنى حقًا..ضع دائمًا فى ذهنك أن هناك احتمالية للوصول وفى ضوئها ابذل كل مجهود يكفل لك الوصول فعلاً، ولكن وبقدر موازى ضع أيضاً فى حسبانك أن ثمة احتمالية لعدم بلوغ ما تتمنى، تصالحك مع هذه الحقيقة يا صديقى قد يجّنبك سقوط نفسى مروع، فقد اتضح يا صديقى أنه "إذا أردت شيئًا بشدة ..تبقى غلطان"، وبالمناسبة يا على، ينبغى أن تدرك أن عدم بلوغ هدفك لا يشترط أن يرتبط  دائمًا بأسباب منطقية، فلا ترهق نفسك كثيرًا بالتحليل والتفسير لمعرفة لماذا حادت الأمور عن مسارها الطبيعى، صحيح أنه جميل بل وحكيم للغاية أن تحاول تفنيد أسباب كل ما لا يكتمل لاستخلاص دروس مستفادة ، تطبقها مستقبلاً، لكن احذر يا صديقى من مبالغتك وانخراطك فى التحليل..ثمة بعض الأشياء لا يُقّدر لها الحدوث..هكذا ببساطة..فانتشل نفسك سريعًا من متاهة الاندهاش وعدم التصديق.


  •  ربما تقابل يا صديقى فى حياتك بعض الأشخاص "المبتزين عاطفيًا" .. هؤلاء الأشخاص الذين يحاولون دائمًا اللعب على وتر خلق إحساس بالذنب لديك..للسؤال عنهم..أو لتلبية بعض احتياجاتهم، يشعرونك دائمًا وأبداً بالتقصير فى حقهم، فلا تستجب لهذا الشعور، العلاقات الإنسانية السوية يا صديقى لا ينبغى لها أن تشعرك بالإرهاق، ولا ينبغى لك من الأساس  فى أى علاقة إنسانية أياً كان شكلها أن تكن أنت دائمًا الطرف المسئول عن ترتيب وتنظيم حياة الأطراف المقابلة، هذا استنزاف لطاقتك يا صديقى، فأرجوك لا تشعر بالذنب حيال أى شخص يعتبر وجودك الدائم ومساعدتك الدائمة من المسلمات، دون أن يوازن الأمر من جهته بتفهم لطبيعتك الإنسانية التى قد لا تجعلك قادر على القيام بالدور المطلوب منك دائمًا، واعلم يا صديقى أنه من حقك أن تدفع بعيداً كل شخص يسلبك سلامك واتزانك النفسى..ربما ستكتسب ذلك المفهوم مع تقدمك سنًا، فتكتشف أنه من حقك تشكيل محيطك الاجتماعى وفقاً لمتطلبات سلامتك النفسية، وأنك لست مضطراً للانخراط فى لعبة الاجتماعيات السخيفة مع هؤلاء المرهِقين.


  •  أعتمد على نفسك يا صديقى قدر الإمكان، مهما كنت محاطًا بأشخاص دافئة يمكنها تقديم الدعم، فربما تحول الظروف أحيانًا دون قدرتك وقدرتهم على التواجد الدائم معاً لتجد منهم الدعم والمدد، كما أن الحياة يا صديقى مع تقدمك سنًا واختلاف الطرق ستفرض عليك فى مواقع عدة أن تقوم بدور البطل الأوحد الذى ينبغى عليه حسم كثير من الأمور بمفرده، فعليك أن " تمرّن نفسك" على إنجاز تفاصيل حياتك بنفسك،  لتصبح ذلك البطل بالفعل، ولكن إذا شعرت أنك غير قادر على التصرف فأرجوك يا صديقى " الأ تكابر" وأطلب المساعدة ممن تثق فيهم ببساطة.


  •  أما أخر ما أود أن أنقله لك، أحذر يا صديقى أن تحولك ضغوط الحياة لموظف، حافظ دائماً على بوابة جانبية تطل منها على ما يسعدك ويشعرك بأنك حى بالفعل ، بل وجاهد دائمًا لتحول ما يُمتعك حقاً من رفاهية لأولوية، جِد دائمًا وقتًا لنفسك ..يخصك وحدك..صحيح أن هذه الأوقات قد تتراجع كثيرًا مقابل بعض الالتزامات،أو قد تختفى أحياناً، لكن المهم فى النهاية أن تؤمن بالمفهوم: ألا تنسى نفسك..وألا تستلم لدائرة  ضغوط الحياة المفزعة.

ربما قد يفيدك يا صديقى ما يحويه خطابى فى رحلتك الحياتية، وربما قد تقرأه وأنت تسخر  منى فى داخلك، تمامًا كطريقتنا فى التعامل مع شتى نصائح الكبار، ولكن هل تعلم يا صديقى أنه قد ثبت أن معظم ما تستهن به فى حياتك من نصائح ، تمر بك السنون .." وتلف تلف" ثم تتأكد من صحته بعد أن تكن التجربة قد أنهكتك ؟!


   دمت بعيدًا عن إنهاكات تجارب الحياة يا صديقى..وحكيمًا فى التعامل مع يُسدى لك من نصائح..ومبصرًا لتطبيق ما يتناسب منها مع ذاتك وعالمك.

                                            من كوكب الأرض

                                                            مع تحياتى،،


السبت، 23 مايو 2015

بلوتو الدور الرابع 14- انتصارات صغيرة

عزيزى على..صديقى الفضائى الحاضر دائمًا رغم الغياب ووحشة المسافات


أعلم أن خطابى هذا قد تأخر بعض الشىء..وأعلم أن كل أعذارى صارت بالية وربما لا تقنعك..لكننى لا أختلقها..هى حقيقية وتعلم يا صديقى جيدًا أن الكذب ليس من شيمى..خاصةً معك، لذا دعنى أتجاوز تلك المقدمة التى أضطر فيها لتبرير أسباب غيابى، ستكون مكررة ومبتذلة للغاية ككل شىء مبتذل ومكرر، لذا دعنا ننجو بأنفسنا من الوقوع فى دوامة العتاب واللوم والتبرير - على الأقل اليوم- أعى جيدًا إن العتاب محبة، ولا أظنك تشكك ولو لثوانى فى مقدار المحبة التى تُغّلف علاقتنا، لكن أرجوك بسعة صدرك وعميق تفهمك أن تتجاوز فقط عن دفعى للشرح فى هذا الخطاب.


                           أما الآن فأخبرنى..كيف حالك يا صديقى ؟
أنا ؟
أنا بخير يا على ..بخير، إذا تجاوزنا حالة الإنهاك الجسدى الغريبة التى أمر بها، والتى دفعتنى للذهاب للطبيب..فأنا بخير، إذا تجاوزنا أننى بعد عناء المشوار لم أجد الطبيب فى عيادته، وأنت تعلم كيف أن زيارة أى طبيب تكن هى الأوبشن الأخير بالنسبة لى بعد أن أراوغ نفسى كثيرًا وأتحايل عليها لإقناعها بأن الموضوع " شوية تعب ويروحوا لحالهم"  فأنا بخير..


أنا بخير رغم نوبة صغيرة من الإحباط لا أدرى هل لها علاقة بإرهاقى الجسدى أم لا؟ ..لا أعلم إن كانت لها علاقة بتلك الأوجاع الوطنية وحالة الصرع المجتمعى والحياد عن كل ماهو منطقى أم لا ؟


هل تعرف يا على ؟ أنا لا أعلم أى شىء..وتختلط فى ذهنى كل تلك الأمور التى تعاملت معها على أنها يقينيات..أنا بخير يا صديقى إذا نحيّنا ذلك الخوف الحياتى من غد  مبهم جانباً..وإذا لم نلتفت لكل تلك المشاعر السلبية التى أتفنن فى تجاهلها كثيرًا إلى أن تنال منى ..لكن لا تقلق يا صديقى..فعلاً لا تقلق فقد عاهدت نفسى منذ زمن على ألا استسلم لنوبات احباطى وأن أنتشل نفسى منها سريعًا قدر الإمكان..أنا فقط أفسح بعض المجال لفطرتى لأن تتجلى وتعبر عما لا يتوافق معها..هى حالة حياتية عادية يا صديقى وجزء من وجودنا وتركيبتنا الإنسانية ..صحيح أنك كائن فضائى ولكن كما أخبرتك فى خطاب سابق أظن أن الإنسانيات تسرى على كل المخلوقات..لذا فأعرف أنك ستتفهم ما أمر به ..ولذا أرجوك ألا تفزع وتأكد أننى حقًا بخير..أو بالأحرى سأكون قريبًا فى خير حال.


وحتى لا أثير فزعك فدعنى أخبرك عن بعض الانتصارات الصغيرة التى حققتها مؤخرًا..لقد قمت بزيارة طالما تم تأجيلها لطبيب الأسنان وقد تمكن بمهارته من محاصرة تلك "السوسة" اللعينة التى سلبتنى هدوئى لأيام طوال ( وعليك أن تلتفت لحالة النشاط المفرط والتغير الكبير الذى دفعنى لزيارة طبيبين فى أسبوع واحد..وهى ظاهرة كونية فى عالمى تستحق إخضاعها للدراسة والفحص والتدقيق من كل العلماء  المهتمين بما وراء الطبيعة)..ذلك بغض النظر عن تلك المشاجرة الصغيرة مع ذلك الشخص الذى حاول عبثُا أن يتحايل علىَ ليسبقنى فى الكشف.


كما أننى يا صديقى أعددت قالبًا من كيك الشيكولاتة بعد فترة غياب طالت عن المطبخ..وقد أشاد به الجميع وأنت تعرف تلك النزعة الأنثوية التى تصيبك بسعادة حمقاء حينما يثنى الآخرون على طبخك.. أنا على يقين بأنك تعرف هذا الشعور من خلال نساء كوكبكم..بل وأراهن أن نساء بلوتو تمامًا كنساء الأرض..أراهن على أن مشاعرنا الأنثوية واحدة فى كل كوكب وكل مجرة، مهما أختلفت أشكالنا وألواننا وأحجامنا.. كان قالب الكيك انتصارًا صغيرًا بغض النظر عن خطأى فى تقدير منتصف الكيك تحديدًا لأقسمه بالسكين وأحشوه بالشيكولاتة..كان حادثًا صغيرًا لكننى نجحت فى إخفاء جريمتى بمهارة ، وفى النهاية لم يلحظ أحد ..وأرجو ألا تخبرهم بما فعلت.


نعم يا صديقى هى انتصارات برغم تلك المشاجرة وبرغم ذلك الخطأ الأحمق الذى شوّه شكل الكيك بعض الشىء..هل فهمت ما أود قوله يا صديقى ؟

 انتصارتنا فى الحياة ليست خالصة.. ليست خالية من  العقبات أو منزهة عن الخروج عن النص ببعض الحماقات والأخطاء الجانبية سواء تسببت فيها أنت أو أوجدتها الظروف فى طريقك..وربما أكبر انتصاراتنا فى الحياة هى التى نتمكن من تحقيقها فى ظروف معاكسة..وقتها فقط تشعر بلذة ما حققت.


  قِس على ذلك يا صديقى كل النجاحات الحياتية، ووقتها ستدرك فقط أن المشكلة تكن أحيانًا فى تقديرنا الخاطىء للأمور..فى انتزاع الفرحة من صدورنا بإيدينا  عند أول شىء غير متوقع، أو ربما بــ " استسهالنا" قرار الإنسحاب و السير بعيدًا  عند أول مشكلة دون محاولة بذل أى مجهود للحفاظ على ما نمتلك أو لاستكمال ما بدأناه، رغم أن كل الأشياء الجميلة لا تأتى بسهولة..لا تأتى بسهولة أبدًا يا صديقى، وكما قال عز الدين شكرى فشير " الفصل بين الأشياء لا يحدث إلا فى قصص الأطفال "..وعلينا يا صديقى أن نتقبل الأشياء " باكيدج" على بعضها، إذا أردنا الوصول فى النهاية لمعنى مكتمل..لأن معانى الأشياء لا تكتمل إلا بإقتران الأضداد معًا..المهم الصبر يا صديقى والنفَس الطويل لاستيعاب المعنى وجنى حلاوة الصبر..فكما تغنَت بها أنغام مرة " الشوك تسقيه يطرح لك ورد" .


ألَهمنى الله وإياك الصبر يا صديقى..وأذاقنا حلاوة المعنى بلا عناء.


من كوكب الأرض
                        مع تحياتى ،،


الاثنين، 16 مارس 2015

بلوتو الدور الرابع 13- حتى لا نهرتل

((إهداء إلى صديقتى التى تعلم نفسها جيداً))


عزيزى على، صديقى الفضائى القريب جداً..البعيد جداً

كيف حالك يا صديقى ؟


دعنى أخبرك مباشرةً بما أنتوى قوله بلا أى مقدمات..

أخبرتك فى خطاب سابق أننا  أحوج ما يكون للوضوح والمباشَرة بدلاً من كل هذه المقدمات التى إن سلمنّا أنفسنا لها واستغرقنا فيها، قد ننسى أن الهدف فى النهاية هو الوصول لنهاية أصلاً، وبالمناسبة فالأمر قابل للتطبيق على شتى شئون الحياة، فالإغراق فى المقدمات والتفاصيل الجانبية لا يعنى بالضرورة حسن الاستعداد لما تمهد له.. بل قد يشتتك ذلك ويجعلك تنجرف بعيداً عن الهدف النهائى،  اهتمامك بالتفاصيل مهم يا صديقى، بشرط ألا تنغمس فيها على حساب الرؤية الكلية للمشهد عموماً، وإلا أهدرت طاقتك واستنزفت نفسك فى الاهتمام بأشياء لن تصل بك فى النهاية لأى شىء حقيقى،  وهو أمر مرهق يا صديقى ..مرهق للغاية أن تقطع مسافات طويلة لا تصل بك فى النهاية لأى مكان، فلا يطالك سوى عناء المشوار.


دعنى أخبرك مباشرةً وبحزم أيضاً يا على أنك فى تلك المرحلة الحياتية فى أشد ما يكون للمباشَرة والحزم..صحيح أننى لا أعرف أصلاً أنت فى أى مرحلة فى حياتك الآن، ولا أذكر إن كنت يوم ابتدعتك فى خيالى  فى تلك السنوات البعيدة قد رسمت لك فى مخيلتى عمر محدد، بل فى الواقع لم يصل حتى خيالى يوماً لمتوسط أعمار الفضائيين، وبناءً عليه فمحتمل  أن  تكون كبراد بيت فى ذلك الفيلم حينما كان عمره يسير فى اتجاه معاكس ..وُلد عجوزاً ثم تصابى مع السنوات ، غير مستبعد..فأنت فضائى ولابد أنك تختلف عنا نحن مخلوقات الأرض كثيراً، غير مستبعد..لكنه غير مهم..فالمهم دائماً هو وجود أرضية مشتركة تحتوى كل الاختلافات لتذوب الخلافات، وأنا أعلم أنك ستعى ما أقول وتتفهمه، وهذا ما يعنينى.


المهم..بالعودة لموضوعنا

دعنى أضع أمامك تلك الخبرة المحدودة التى ربما تُجنبّك بعض الأذى إذا ما انتبهت لها ..الحزم يا صديقى لا يقتصر معناه فقط فى تدخلك القوى والحاسم مع الآخرين من أجل رسم الحدود التى تضمن لكم جميعاً العيش فى سلام دون تجنى أحد على الآخر، فمثلما ترسم  الدول حدودها ومياهها الإقليمية ومجالها الجوى، لتعرف جيرانها من الدول مالها وما عليها، لكيلا يحدث اختراق لتلك الحدود قد يتطور لنزاع حقيقى، نحتاج أيضاً كأشخاص توضيح الخطوط الفاصلة فى تعاملاتنا مع الاخرين، حتى لا تحدث بيننا أزمات قد تتطور لنزاع حقيقى أيضاً، لكن ليس هذا ما أقصده فقط ،  لا يقتصر الحزم يا صديقى على هذا المعنى الكلاسيكى فحسب، هناك نوع أخر من الحزم  إن امتلكته جنبّت نفسك الاستهلاك فى اللا شىء ، وانتشلتها من الدخول فى صراعات حياتية أنت فى غنى عنها ، ..الحزم مع نفسك يا صديقى..أن تمتلك السيطرة على جموحك فتحجّمه فى الوقت المناسب ..أن تمتلك القدرة على التمييز لتحديد النقطة التى ينبغى عندها أن تعلنها صراحةً " مش لاعب" ، التوقيت يا على ..التوقيت والقدرة على أن تضع نقطة فى نهاية الجملة إذا ما أرتأى لك أنها لم تعد مفيدة وغير تامة المعنى.


أما المباشَرة  يا صديقى فهى ألا تضلل نفسك بتجميل ما ليس جميلاً، أن تكون على قدر من الشفافية مع نفسك فلا ترغمها على تصديق ما لا ينبغى تصديقه لمجرد كونك أضعف من أن تواجه حقيقة موجعة جافة ، صدقنى يا صديقى حقيقة موجعة خير من وهم جميل، لأن لا وجع يدوم مهما امتد زمنه، سينتهى وتبقى العبرة، وكذلك فجمال ما تقنع نفسك به كذباً سينتهى فى يوم ما مهما امتد زمن خداعك لذاتك، سينتهى وينطفىء بريقه الزائف، والخوف كل الخوف،  أن ينتهى ذلك بعد أن يطفىء فى داخلك  أنت الآخر شىء .


فأرجوك يا صديقى إياك أن تلقى بنفسك فى تلك الدائرة المفرغة، راجع نفسك بشكل دورى؛ لتقّيم ما تعيشه..فّنِد ما تشعر به، وكن حازماً فى حفاظك على ما يستحق، وفى ركلك لما يرهقك ، اركله بكل ما أوتيت من قوة خارج حياتك لتفسح مجالاً لما هو أصدق ..لما يشعرك باتساق وسلام حقيقى ، وإياك إياك  أن تكون ذلك الشخص البائس الضعيف العاجز عن اتخاذ قرار، أو أن ترتضى لنفسك بوضع لا يسعدك ظناً منك أن هذا كل ما تتيحه لك الحياة، فهذا سوء تقدير لنفسك يا صديقى .

وكما قال عمر طاهر فإذا لم تؤمن بوضع نقطة فى نهاية السطر..ستظل تهرتل إلى ما لا نهاية.

من كوكب الأرض
                       مع تحياتى ،،


الأحد، 22 فبراير 2015

أثقل من رضوى

ربما ما رسمته فى مخيلتى مناهج التعليم البائسة على مر سنوات الدراسة أن القدوة أو الشخص الناجح الذى يُحتذى به هو بالضرورة مخترع ما، شخص نابغة فى دراسته..يرتدى نظارة طبية مقعرة وفاشل اجتماعياً لأنه يقضى وقته فى مطالعة الكتب أو فى إضافة مركبات إلى بعضها البعض فى المعمل عبر تلك الأنابيب الزجاجية الضيقة ، أحاول التطبيق على أرض الواقع فلا أجد حولى مخترعين اللهم باستثناء بعض الأشخاص - من المنوفية على الأغلب- ولكنى لا استطيع التوحد معهم إطلاقاً أو اعتبارهم نموذج يمكن للمرء التطلع إليه، فينتابنى بعض التيه بين ما تلقنك إياه الكتب، وما تقدمه لك الحياة.


أفكر كثيراً حينما أواجه مشكلة ما ، لماذا لا أقابل الشخص العجوز الحكيم ، ذا الشعر الأبيض الطويل كما تصوره الأفلام عادةً، ذلك الشخص الذى يظهر لك فى ذروة أحداث حياتك ويصاحبه الدخان الكثيف من كل جانب ، تمهيداً للحظة  التنوير التى ينتهى فيها تشابك وتعقيد الأحداث بعدما يلهمك ذلك الحكيم بعبارات رنانة تجد فيها حل كل مشاكلك ، أنظر حولى دائماً ولا أجد أكثر حكمة من شخص مجنون يسير فى الشارع محدثاً نفسه، أو متحدثاً إلى خلق الله، بعبارات بالفعل تلمس قلبك وروحك، وتستجديك لأن تسير وراءه فى الشوارع لتتحول إلى واحداً من مريديه لتنهل من عباراته العاقلة التى يتفوه بها ذلك المجنون..أقف أمام تلك الحقيقة، فأجد الفارق بين  ما تصدره لنا السينما تحديداً ، وما تصفعنا به الحياة..شاسعاً.


ربما عبرت هند صبرى بحرفية شديدة عن أمر مشابه، فى ذلك الفيلم بقولها : " زمان كنت فاكرة إن الحب دة حاجة كبيرة أوى ، زى إنك تقف قدام اللى بتحبه وتاخد رصاصة مكانه مثلاً، بعدين لما كبرت عرفت إن الحب أبسط من كدة بكتير " ، فاستفر فى ذهنى أن معظم ما يختلط فى رؤوسنا من مفاهيم و معتقدات ، هى فى حقيقتها أبسط ..أبسط بكثير مما نتصوره، فربما الشخص الذى تستمد منه حكمة حياتية ما، ليس فى حقيقته حكيماً بلا أخطاء يمتلك مفاتيح الإجابة على كل شىء، وليس مَن بإمكانه أن يتحول لنموذج يُحتذى به هو بالضرورة شخصاً ناجحا ً فى حياته ذلك النجاح المبهر..فالمسألة بالفعل أبسط من ذلك بكثير، وعادةً هذه الشخصية الملهمة فى حياتك ،لا تتركز فى شخص واحد من الأساس، وإنما تتوزع على أشخاص كثيرة فى مراحل حياتك المختلفة، فتأخذ من كل شخص ما يضيف إلى رصيدك الحياتى، بما تجده فى قصته من أمور تجعلك تتوحد معه حياتياً.


استناداً على ماسبق ، عزيزتى رضوى ..أنتِ واحدة من هولاء الذين أضفوا على حياتى معنى جديد ، وربما أنا مدينة لكِ  أولاً بشكر عميق وامتنان صادق، على كل تلك الأوقات التى تنتشيلينى فيها من اكتئاب محقق، فتجعلى روحى أكثر خفة بعدما تحرريها مما يُثقلها، لا بتقديمك حلول ..ولا بأعمال بطولية، وإنما بتلك الأفعال البسيطة الدافئة، كأن تصطحبينى بسيارتك للتحدث قليلاً..ثم لتسمعيننى تلك البلاى ليست التى أعددتيها لنستمع لها سوياً، فيأخذنا الحديث للبحث فى معانى تلك الأغانى وتحليلها وتحليل ما جاء بها من قصص، ثم يتسع الحديث ليمتد للحياة عموماً وما بها من قصص، هذا بغض النظر عن عدم فهمنا الدقيق حتى هذه اللحظة لأغنية "سيرة الأراجوز"، أو "علقت نفسك بيا ليه"، رغم اجتهادنا فى تحليلهما.


أشكرك على كل مرة أجلستينى فيها على الرصيف ، وعلى كل مرة  اصطحبتينى فيها لمكان ما لمجرد أننى أخبرتك فى مرة سابقة أننى أود الذهاب إلى هناك، مازلت أتذكر تلك المرة التى جلسنا فيها على الأرض فى تلك الحديقة ..وتلك المرة التى جلسنا فيها على درجات تلك البناية لنتحدث حديثاً ساذجاً عن النجوم ونحن معلقين رؤوسنا فى السماء كالبلهاء، لينتهى الأمر بغنائنا سوياً لمحمد منير و حميد الشاعرى ..أشكرك على كل مرة  جعلتينى أغنى معك فى السيارة بصوت عالى أغانى عمرو دياب القديمة ..ربما سأشكرك أيضاً على تلك المرة التى سألتنيى فيها هل تودين ركوب دراجة..فأجبتك نعم، لأجدك تنادي على ذلك الفتى الصغير لتستعيرى دراجته..وأحمد الله أن الفتى لم يسمعك حفاظاً على ماء وجهنا..وأذكر أننى وقفت مذهولة من جنونك حينها..

أعلم جيداً أننى إذا أخبرتك فى يوم ما أننى أرغب فى الاتجاه للصحراء الشرقية لمعاينة نوع الرمال هناك، أو السفر لشلاتين لشراء كراسة مربعات، سأجد فيكِ خير مشجع وداعم ، بل و رفيق أيضاً.


أما بعد الشكر ، فقد تعلمت منك يا صديقتى أن على الحياة أن تجد لأرواحنا سبيلاً رغم قسوة ما نواجه،، أعلم وتعلمين جيداً أنكِ ربما واجهتى ظروفاً ليست بهينة..ثقيلة ..أثقل من جسدك الصغير ، لكنك كنتِ دائماً الفائزة فى النهاية ..وربما هذا ما لا تعلميه و تشككين فيه دائماً ..ربما تواجهين ما هو أثقل من رضوى،، لكنك تنتصرين عليه بنفس محبة للحياة وروح خفيفة ..تُدهشنى حقاً :)


** العنوان مستلهم من رواية الكاتبة الراحلة رضوى عاشور ، التى تحمل نفس الاسم.


الجمعة، 13 فبراير 2015

أنا واخى

كانت البداية آنذاك ..
وقت أن أقتضت ظروف سفر أمى أن أتحمل مسئولية المنزل لشهر كامل ، حينها تماماً أستوقفتنى علاقتى بأخى الأصغر ، ذلك الشاب الصغير تلميذ الثانوية العامة وقتها .


مسئولية ما كانت تملؤنى تجاهه هو تحديداً من بين  تفاصيل أسرة بأكملها ألقت على عاتقى وقتها.. من بين تفاصيل عديدة مربكة ..مواعيد دواء أبى ..مواعيد إيقاظ أفراد الأسرة حتى لا يفوت أحدهم موعد مهم أوكلنى بتنبيهه له..أطعمة تنقص المنزل ..وأخرى فى حاجة للإعداد..ماذا سأعد غداً للغداء ..هل أخرجت الكيك من الفرن ؟


من بين قائمة طويلة  لا تنتهى ..كنت أخشى أن أقصر فى حقه هو تحديداً ..لا بأن يفوته موعد درس..ولا بأن يهمل فى استذكار دروسه وهو فى تلك المرحلة المصيرية على الصعيد الدراسى..بل كنت أخشى أن أقصر فى حقه كأخت كبرى تعلم جيداً ما يمر به من تغيرات جسام فى فترة تشكيل لشخصه على الصعيد الحياتى.


كنت أخشى من لجوءه إلىّ لاستيضاح تفصيلة حياتية ما ..كنت أسعد بذلك و أخاف فى ذات الوقت ..أسعد لثقته فى وأخاف منها..أخاف أن اخذله بتقديم إجابة خاطئة ..وأخاف أن يأخذنى مرجع دائم له فى حكمه على الأشياء...أتذكر فشير فى كتابه باب الخروج وهو يخاطب ابنه مشدداً على ألا ينخدع فيه كأب ..و أن يعلم - أى ابنه - أن والده ببساطة إنسان ، قابل للوقوع فى الأخطاء و عرضة لأن يشعر بالخوف .


كثيراً ما كنت أقلق إذا تأخر عن موعد عودته المعتاد للمنزل ..أسرع للاتصال به ، يخبرنى بينما تأتينى  أصوات أصدقائه عالية بجانبه ، بأنه سيمضى بعض الوقت معهم ،، أنبهه إلى أنه كان ينبغى عليه الاتصال أولاً ..أغلق الهاتف و أفكر ..هل أتمادى فى قلقى عليه ؟ 


أردد على نفسى  أنه صار رجلاً وعليكِ الاحتراس بعدم مطاردته .. لا أطارده فعلياً ، وهو ما يشفع لي..و إنما يطاردنى إحساس بمسئولية ما تجاهه ..لا أعبر عنه صراحةً ، لأرسخ داخله فكرة اعتماده على نفسه.


أفكر فى أمى ..كيف تشعر حيالنا جميعاً ..كيف لهذه المشاعر أن تنحصر فى جسد واحد تجاه جميع أفراد الأسرة ..التمس لها العذر هى وأبى لنظرتهما لنا  أنا و اخوتى على أننا صغار..أتذكر جملة من فيلم لا أتذكره هو شخصياً، بينما يوجه أب لابنه هذه العبارة : " هتفضل صغير مهما كبرت ..مش هتكبر عليا أبداً "..
اتذكر العبارة وابتسم فى داخلى إذ أرى أخى الأصغر صغير فعلياً حتى وإن صار طوله يفوقنى ويتطلب منى أن أنظر لأعلى و أنا أحدثه ، ثم أحرص حرصاً شديداً على أن اكتم هذا الشعور داخلى حتى لا يصله مباشرة ..أبلغه صرت كبيراً و بإمكانك الحكم على الأشياء ..وتزداد مساحة التماسى للأعذار لأبى وأمى لإصرارهما على رؤيتنا صغار  .


أهرب عن عمد من إمداده برأيى مباشرةً ، بعد أن وجدته يكثر من السؤال عن رأيى ..أخشى أن يؤثر ذلك على قدرته فى إتخاذ القرارت مهما بلغت تفاهة الأمر " ارتدى ذلك التى شيرت أم ذاك ؟ أذهب للجامعة غداً أم لا " ..أهرب ويؤلمنى إن شعر أنى لا أهتم ..وأعلم أنه سيعلم فيما بعد أن هروبى غرضه التقويم ، وأن أخلق فى داخله قدرة على اتخاذ قرار فيما سفه من أشياء ..لكيلا يقف عاجزاً فى يوم ما عن التحرك بدون توجيه امام الأمور الكبيرة.. أبقى نفسى بعيدة بعض الشىء..أعطى مفاتيح للإجابة حتى لا اتركه حائراً تماماً ..ثم أترك له القرار.


أسعد به وأنا أراه رجلاً يسافر بمفرده مع أصدقائه .. وأنا اراه يأخذ قراراً بتجربة عمل فى فترة الصيف  ..أطمئن وتقل حدة ما أشعر به تجاهه..ابتسم داخلى و أنا أراه يفضل الخروج مع اصدقاءه بينما يتلكأ فى الخروج معى..أدرك وقتها أنه وجد عالمه الخاص.