الخميس، 24 ديسمبر 2015
الجمعة، 4 ديسمبر 2015
من وحى حمص الشام
ديسمبر شهر دافىء رغم برودة الطقس النسبية التى يشهدها.. دافىء لسبب ما غير معلوم؛ ربما تسكننىا فيه سكينة الاستسلام لحقيقة "إن كله بيعّدى" .. ندرك فى ديسمبر أن عامًا قد انقضى بكل ما فيه من أشياء أثقلت القلب، وانتقصت من سلامنا النفسي، سواء إن كانت انقضت على نحو تمنيناه أو لا، لكنها انقضت، هكذا ببساطة.. انقضت ومضت، ومازلنا أحياء ولم نمت برغم كل ما رحل عنا بلا رجعة، وكنا نحسبه وحده القادر على إمدادنا بأكسير الحياة.
ديسمبر شهر محبب رغم أن
الإحساس بانتهاء شىء ما يثير دومًا فى
النفس شىء من الغصة، لكن ديسمبر يكسر القاعدة، تنتهى فيه سنة، ويولد مع انتهائها
الإحساس بأنه مع كل نهاية تولد بداية جديدة، يأتى ديسمبر ليلملم ما تبقى من
الأيام، ويمنحنا فى الوقت ذاته أيامًا جديدة، واحتمالات متعددة، وآمال تنتظر
تحقيقها.
ربما يخلق ديسمبر فى قلبى إحساس موازى لما تغّنت به أم كلثوم عن ليلة العيد حينما قالت: " وجددتى الأمل فينا".. يجدد ديسمبر دومًا الأمل فى قلبى.
أفكر فى كل ذلك بينما تقودنى لسعة برد ديسمبر المحببة باتجاه المطبخ، على الموقد أجد أمى قد أعدت لى حمص الشام الدافىء، فيزداد إحساسى ببهاء ديسمبر، التفت باتجاه حمّالة الأطباق، وفى حركة لا إرادية على طريقة "حافظ مش فاهم" تمتد يداى لالتقاط المّج المزركش المعتاد، ثم شعرت أنه من غير اللائق أن أسكب حمص الشام فى ذلك المّج الأنيق؛ لا تتلائم أبدًا أناقة المج مع الجو النفسى الذى يتطلبه احتساء كوب حمص الشام، ثم أن التعبير نفسه يكشف أنه لا يجوز، فلا أذكر أننى سمعت يومًا أحد يقول " نفسى فى مج حلبسة".. إذن فلنعيد للأشياء أصالتها وأصلها، ولتذهب الحداثة للجحيم، مع الاعتذار لمّجي المزركش المحبب الذى لا يليق به إلا النسكافيه.. ذلك المشروب الارستقراطى.
تدراكت يدى ما يدور فى
عقلى، فاستجابت سريعًا للإشارات القادمة لها من المخ، وانتقْلت سريًعا للصف الأول
من حمالة الأطباق، حيث يستقر ذلك الكوب الزجاجى.
انتهى بى الأمر جالسة على
ذلك المقعد الخشبى الصغير الموضوع فى المطبخ، ممسكة بكوب حمص الشام، ومفسحة المجال
ليداى لتذوب فى دفء الحرارة المنبعثة منه، أتذكر جدالى السابق مع أمى؛ لتمسكى بذلك
المقعد البائس وتوسلي لها بعدم التخلص منه، إحقاقًا للحق وإنصافًا لأمى، فهو ليس
جميل شكلًا، لكننى أحبه للغاية، بلا أى سبب وجيه، ألا يقولون أن الحب في إجماله
إذا عُرف له سببًا فسيزول بزوال السبب؟، أخبرت أمى حينها أن الأمر أكثر تعقيدًا من
أن أشرحه، ثم شعرت بسذاجة الموقف وأنا أخبر أمى أننى أحب ذلك الكرسي وأن الأسباب
يتعذّر عليّ شرحها..أذكر نظرة أمى لي حينها، وربما وافقت على ترك الكرسي فى مكانه
بعدما "استعوضت ربنا" في عقل ابنتها، لكننى شعرت حينها بلذة الانتصار،
ولسان حالى يردد ما قاله فتحى عبد الوهاب في فيلم كباريه: "الكلام بيجيب
نتيجة".
ارتشف قليلًا من حمص الشام
اللذيذ، وأفكر أنه لا يوجد ليمون بالمنزل، بالقطع حمص الشام بالليمون أحلى، لكننى
ركلت تلك الفكرة سريعًا من رأسي، وعزمت النية على أننى لن أسمح لأى منغصات بأن
تعكر صفو الاستمتاع بالحدث الجلل: أنا على مقعدى الصغير البائس ممسكة بكوب حمص شام
في ليلة من ليالى ديسمبر المحببة.
قررت حينها أن أسجل إحساسي
كتابًة، وأن أدون أنه فى تلك الليلة بينما كنت أحتسي كوب حمص الشام فى إحدى ليالى
ديسمبر المحببة أتخذت عدة قرارت مهمة للغاية تشمل: أننى سأتمسك لأخر نفَس بذلك
المقعد البائس طالما أنه يعنى لى شيئًا جميلًا، حتى وإن لم يتفهم الآخرون ذلك،
وحتى إن لم أكن قادرة على شرح مكانته فى قلبى، فلا يهم الشرح بقدر ما يهم الإحساس
بالمعنى، بل ولن أسمح بوصفه بالبائس، لأن أى شىء يخلق فى نفس المرء معنى جميل لا
ينبغى له أن يكون بائسًا، سأدون أيضًا أننى لن أسمح لنقصان الليمون أن يسرق منى
لذه الاستمتاع بكوب حمص الشام، صحيح أن الليمون كان سيضفى نكهة أجمل، لكن تفويت
الاستماع بكوب حمص الشام نفسه اعتراضًا على عدم وجود ليمون ..حماقة وغباء منقطع
النظير.
أظن أن الكرسى الخشبى الصغير خاصتى، والليمون قد أهداننى درسًا حياتيًا مهمًا فى تلك الليلة: نحتاج التمسك بما نحب وإن اعترض الغير أو إن لم يتفهموا ذلك .. ونحتاج ألا نفسد بهجة الاستمتاع بما نملك بالتحسر على ما ينقصنا.
الخميس، 19 نوفمبر 2015
ما وراء الطفولة
ربما جاوبتنا علوم ما وراء الطبيعة والفيزياء، وكل تلك العلوم المختلفة بفروعها المتعددة التى لم أتمكن يومًا من التفرقة بينها على نحو دقيق، فلم أفهم أى علم يهتم بماذا بالضبط؟ تتداخل حدود العلوم وتُربكنى، فلا أعى ما يتعيّن علىّ فعله إن استعصت نقطة ما فى هذا الكون على فِهمى، فى أى علم سأجد الإجابة..أين أبحث لتتلاشى علامات الاستفهام ويزول الغموض وأهتدى للإجابات؟
ربما قدمت لنا هذه العلوم الأجوبة وفسروا لنا كل ما نعانيه ونعانى منه، ولأننا لم ننتبه جيدًا، ولأن تلك التفاصيل المعقدة لم استسغها يومًا، ولم يستوعبها عقلى كما ينغى..فاتتنى الإجابة وظلت علامات الاستفهام بلا تلاشى..وبقت الأسئلة بلا حسم.
عشت عمرًا وأنا يُربكنى أن أصادف موقف أشعر أننى قد عايشته من قبل بشتى تفاصيله، ليخبرنا العلم بأن ظاهرة الديجافو ترجع إلى خلل ما فى الذاكرة والأعصاب ..ثم بعض التفاصيل العلمية المعقدة.. لكنه - أى العلم- يمتلك الإجابة ..هكذا ببساطة.
ربما كل ما نعانيه أيضًا له تفسيره العلمى، ربما تستأثر التفاصيل العلمية المعقدة بالإجابات لمن يستسيغون فهم طلاسمها، وتتركنا حياري.
قياسًا على الديجافو، قد أكتشف يومًا أن ثمة تفسيرعلمى لما كنت أفعله فى ذلك الزمن البعيد وأنا طفلة، حينما كنت أتصور نفسى مُعلّمة فأطيح ضربًأ في كل الوسائد والمقاعد بالمنزل، يبدو الموضوع أعمق من كونه ترهات طفولية عايشها كل صغار السن.. يبدو أننا كنا نُمهّد لما سنلاقيه فى شبابنا، حينما تعصانا بعض الأشياء المحببة..تتوه منا فى الزحام..نبذل مجهودًا خرافيًا للحفاظ عليها والتمسك بها.. يصبح الموضوع تعجيزيًا ومرهِقًا ومستنزِفًا، نعيد الكَرة..نستعيدها أحيانًا..ثم تهرب منا مرارًا وتتوه في الزحام، ثم نعيد البحث عنها..ثم نُرهَق ونُستهلَك ونمِلّ، أتمنى كثيرًا لو أن كل تلك الأشياء المحببة إلى قلبى..لو أن كل تلك الأوقات الجميلة..لو أن كل الأشياء المعنوية كان يمكن الإمساك بها ..لا للإبقاء عليها.. وإنما لأطيح فيها ضربًا يوازى كل ذلك الإرهاق النفسى الذى عايشته وهى تراوغنى.
يبدو أننا كنا أطفال ذوى رؤية ثاقبة..ونجيد قراءة المستقبل، وقد يثبت لنا يومًا العلم الحديث ذلك.
لكن هل بإمكان العلم أن يقدم لى إجابة بشأن معايشة أحاسيس طفولية فى عمر كبير؟ ربما طمأنتنى صديقتى بما كتْبته يومًا على الفيس بوك بأننى لا أعانى انحرافًا فى مشاعرى، حينما كتبت: " حساها معيلة أوى..بس أنا عايزة ماما"، بادرت وقتها بالتعليق على ما كتبته: " دى مش معيلة على فكرة" ..ربما أُطمئن نفسى الآن بتذكر تعليقى فأتمتم لنفسى " دى مش معيلة على فكرة..دة إرهاق ..وتعب"، وكما قال عمر طاهر يومًا " الاعتراف بالتعب لا يدين أى شخص، بل يجعله مجاهدًا..مادام صامدًا".
إذن ربما يمتلك العلم إجابة عن كل صباح أشعر فيه كأننى طفلة لا تريد إلا أن تنزوى فى ركن لتبكى احتجاجًا على الذهاب للعمل ومواجهة العالم، صحيح أننى لا أذكر أننى كنت أبكى وأنا طفلة عند ذهابى للمدرسة، لكن أمى قد أخبرتنى بذلك، وبدورى يمكننى أن أؤكد لها أننى أعايش الإحساس ذاته فى سنى هذا، بلا مَريلة أو مدرسة، وأحيانًا بلا دموع، ومع ذلك يتطابق الإحساسان، هل يمكن للعلم أن يفسر كيف يتطابق تمامًا إحساسان فى ظروف مختلفة؟ أو هل يمكنك يا أمى أن تخبرينى ماذا كنتى تفعلين معى وقتها؟
الجمعة، 6 نوفمبر 2015
أنتِ مش زى الجميع
لو كنتِ ستقرئين هذه السطور..لو كان فقط نظرك سيسعفك للملمة هذه الحروف، لعلمتى أنكِ دائمًا وأبدًا اختيارى الذى لا أتردد فيه أبدًا، وأنكِ يا جدتى قصتى التى لن أمّل أبدًا من ترديدها.
ربما علّمتينى دون قصد منك
عدة أشياء تركت أعمق الأثر فى نفسى، علّمتينى أن أعظم الأشياء فى حياتنا قد تأتى
على هيئة بسيطة جدًا..مثلك تمامًا، ربما كل ما استقر فى ذهن المرء عبر سنوات
عمره بشأن الأشياء الكبيرة..العظيمة، قد ضاع
هباءً أمام هذه الحقيقة..أمامك، تبيّن يا جدتى أن الشىء الذى يستحق الاحتفاء به
حقًا يأتى إلى حياتنا فى هدوء..بلا ضجة أو صخب كما كنا نتصور، هل تعرفين ما قاله
يومًا "واسينى الأعرج" عن السعادة، حينما قال أنها لا تحتاج إلى
استحالات كبيرة، وأن بإمكان أشياء صغيرة أن تهزنا فى العمق، يبدو أن الأمر ذاته
ينطبق على الأشخاص، وأن أجمل مْن يصادفوننا فى حياتنا، ويهزوننا من الداخل، هم
هؤلاء الذين كان دخولهم لحياتنا هادىءً، فلم نعيرهم انتباهنا الكافى، لنكتشف مع
الوقت أن بساطة تواجدهم حولنا..بساطة مشاركتهم لنا فى شتى تفاصيلنا العادية جدًا
هو أجمل وأعظم ما قد حدث لنا يومًا، وأنتِ منهم يا جدتى..أنتِ أولهم، وهم
قليلون..قليلون للغاية بالمناسبة، قليلون
لأن الأشياء العظيمة لا تتكرر بسهولة، وقد تضيع إن لم نلتفت لها؛ لأنها كما تدخل
حياتنا فى هدوء دون جلَبة.. ترحل بهدوء وفى صمت.
تذكرتك اليوم والسماء تمطر،
كنت أريد الخروج للتنزه قليلاً، لكننى تراجعت؛ خشية أن تشتد نوبة الاتفلونزا
اللعينة، تذكرتك حينما كانت السماء تمطر العام الماضى، ثم ظننت أنك ستعّنفينى
للخروج فى مثل هذا الطقس المضطرب، كنت أخبرك حينها على استحياء أننى سأذهب لحضور
مسرحية مع بعض الأصدقاء، لتفاجئيننى بتشجيع اندهشت له كثيرًا، لدرجة أننى بعد أن
وصلت إلى باب الشقة عدت لكِ مرة أخرى متسائلة: "هو أنتِ ليه بتقوليلى أخرج
والدنيا برد كدة"، لتبادرينى قائلة: " عشان عايزاكى تتبسطى"، أتذكر
جيدًا أننى قبّلت رأسك ويدك حينها..لهذا يا جدتى أحبك، ولهذا يكون الحب فى مجمله:
تشجيع.. ودفع للآخر فى اتجاه ما يحب..ثم سعادة لمجرد سعادة الآخر، الحب يا جدتى إيثار، وأظننى تعلمت ذلك منكِ.
أكتب عنك الآن بينما يأتينى
صوت منير فى الخلفية، وكأنما علم أن الحديث عنكِ وحولكِ، فبادرنى بجملة أنتِ مش زى
الجميع" لأضيفها، فابتسم وأصّدق على
كلامه..نعم " أنتِ مش زى الجميع".
الثلاثاء، 3 نوفمبر 2015
طعم الحاجات
يرن منبه هاتفى المحمول ليقطع ساعات نومى المتقطعة من الأساس ..
صباحات متكررة أجدنى فيها مثقلة بعض الشىء، أشعر كما لو أن عبء الليل الطويل الذى يهرب فيه المرء من بعض الأفكار ويراوغها وتراوغه يُسلمنى تسليم أهالى إلى عبء يوم مُسجى طويل يتعين على المرء مواجهته، ثم يتبادل اثناهما الضحك علىّ فى ضحكات متقطعة شريرة..بينما أقف أنا متعبة غير قادرة على الفرار أو المقاومة، فاستكين تمامًا لتلاعبهما بى.
أشرد بعض الشىء فأتذكر مقولة رضوى عاشور: " يبدو الذهاب إلى العمل، أو الخروج من البيت مهمة مستحيلة..أتحاشى الخروج ما أمكن..أتحاشى الناس، وأشعر بالوحشة لأننى بعيدة عنهم فى الوقت نفسه..لحظة استيقاظى من النوم هى الأصعب، حين أذهب إلى العمل وأنهمك فيه، يتراجع الخوف كأنه كان وهمًا، أو كأن حالتى فى الصباح لم تكن سوى هواجس وخيالات"* .
تطل على رأسى عبارة رضوى بكثرة مؤخرًا..وأحسبها منصفة إلى حد كبير فى التعبير عن حالة الصباح الرمادية التى تكرر سقوطى ضحية لها فى الآونة الأخيرة.
يحين موعد الذهاب للعمل ..أتلكأ كثيرًا، كما لو كنت سأضلل الوقت..كما لو أنى طفلة تراوغ فى الذهاب لطبيب الأطفال، أو تهرب من موعد اختبار فى المدرسة فتتمنى لو أن اليوم عطلة..لو أنه فقط لم يكن فى هذا اليوم مدرسة أو اختبار.
أتحجج بعض الشىء فأطيل الوقت المخصص لاحتساء مج النسكافيه الدافىء..يمكنى اختلاس بعض الدقائق للاستماع لبعض الموسيقى ربما، أنغام خيار مثالى لتلك الأيام الخريفية..أنغام خيارى المثالى فى كل الأيام على الأرجح.
تمتد يدى لأفتح خزانة ملابسى.. أقّلب بيدى أغراضى، ابتسم رغمًأ عنى حينما تأتى يدى على تلك الحقيبة التى أهدتنى إياها صديقة، لم نعد نلتقى كثيرًا، فلم تسنح لى الفرصة لأخبرها كم أنقذتنى هذه الحقيبة فى مناسبات عديدة، خاصةً مع حجمها الكبير..سافرت بها لقضاء أجازة الصيف..لملمت فيها أغراضى الخاصة التى كنت أخشى ضياعها وأنا انتقل لمسكن جديد.. استخدمتها يوم زفاف صديقة عمرى، تتسع ابتسامتى وأنا استدعى كل تلك المواقف التى شهدت الحقيبة عليها، وعاصرت حدوثها..الحقيبة ذات الدوائر الملونة..المبهجة.
أرتدى ملابسى بينما أردد مع أنغام بعض كلمات أغانيها..أندمج بعض الشىء فأنظر للمرآة وأغنى بأداء تمثيلى، ثم أدرك أننى سأتأخر، فأتوقف وأترك لأنغام المجال لاستكمال الأغنية وحدها.
ربما سأحتاج ملابس أثقل..بدأ الجو يبرد قليلًا، ويزعجنى حلْقى بعض الشىء مُحذرًا من احتمال إصابتى بنوبة أنفلونزا..أعيد فتح خزانتى..أبعثر ملابسى يمينًا ويسارًا بحثًا عن قطعة يمكن إضافتها لملابسى فى حال شعرت ببرودة الجو، ابتسم مرة أخرى متأثرة وأنا التقط ذلك الشال المحبب لقلبى..هدية صديقة الطفولة والشباب والعمر، ربما لم أخبرها أيضًا من قبل كم أنه يُدفئنى معنويًا قبل جسديًا..أهدتنى إياه حينما كنت أبحث عن شال لأبتاعه منذ سنتين، فالتقطت هى نيتى ثم سارعت بشراء واحدًا لى، لهذا يُدفئنى؛ لأنه يحيط جسدى باهتمامها، يبقى المعنى دومًا حاضرًا حتى وإن كانت تفصلنا الآن العديد من التفاصيل الجغرافية اللعينة.. ابتسم مرة أخرى..وأتأثر بشكل أعمق، ثم أغلق خزانتى.
أعيد تشغيل نفس الأغنية مرة أخرى، مع مشاركة سريعة لأنغام بالغناء، ثم استكمل ارتداء ملابسى أمام المرآة، التقط ساعة يدى من ذلك الدرج، فتقع عينى على عقدى الأسود ذا الحبات اللامعة..أهدتنى إياه أيضًا صديقتى المقربة فى زيارتها الأخيرة قبل السفر، أعاود الابتسام أو بالأحرى التصقت على شفاهى ابتسامة بلهاء عريضة ..وأنا اتجول بعينى بين أغراضى فاكتشف أن كثيرًا من أغراضى البسيطة المحببة لقلبى تم إهدائها لى من أصدقائى..هذا المج المزركش..تلك النوتة الرقيقة..القطع البلاستيكية الملونة المبهجة التى أميز بها صفحات الكتب التى أقرأها..بل ومجموعة الكتب تلك فى حد ذاتها كانت هدية.. المصباح الضوئى المفّرغ ليلقى بهذه الفراغات على الحائط مًشّكلًا بظلها رسمًا أذوب فى أبعاده.
اشعر فى هذه اللحظة تمامًا أن غرفتى جميلة وأن أغراضى المتناثرة بها هنا وهناك لها طعم.. أشعر أن قلبى دافئًا..وأن أنغام صوتها صار أحلى.
أغلق غرفتى..اتجه لعملى..وأنا حقًا مبتهجة كما لو أننى محتفظة فى غرفتى بأصدقائى لا بهداياهم، أتذكر قول رسولنا الكريم : " تهادوا ..تحابوا"، فأتمتم: صدقت سيدى.
* الاقتباس من رواية " فرج".
الجمعة، 23 أكتوبر 2015
تجربة ال 30..إلا عامين
لا أعلم إن كان مسموح لى بالتنظير حول سن ال 28، أم أنه لا يحق لى الكلام قبل "تقفيل" ثلاثة عقود بالتمام والكمال.
كل أصدقائى ممن يكبروننى سنًا شًكل لديهم سن الثلاثين تجربة مختلفة، ربما هى المرحلة التى تتلقى فيها لسبب ما أول صفعة حياتية تخبرك: " مبقتش صغير"، الثلاثين هى التجربة التى تدرك حينها - على حد وصفهم- أنك مطالب بتقديم كشف حساب ما للمجتمع، عليك أن تبرر للمجتمع أين كنت خلال السنوات المنقضية من عمرك، وماذا حققت فيهم، لا أعلم تحديدًا من أقر ذلك..لكن بالفعل اشترك جميع أصدقائى فى الإحساس ذاته..تسلل إليهم جميعًا، وربما صحب معه شىء من الإكتئاب لدى بعضهم.
لم أبلغ الثلاثين بعد..ولا أعرف ماذا سيكون شعورى حينها -إن كتب لى الله العمر-، لا تفزعنى الأرقام فى حد ذاتها ولا ألق بالًا لفكرة الفزع من التقدم سنًا وما حققته وما لم أحققه، لا أشعر أصلًأ بأنه ينبغى تحقيق شيئًا بعينه قبل سن معين، أتجنب قدر الإمكان الاستسلام لهذا الهلع المجتمعى المسيطر على الكثيرين بأننا فى سباق وعلينا أن نلهث جميعًا.. يجب أن نجرى " علشان نلحق"، لا أعلم كينونة ذلك الشىء الذى يجب أن نجرى لنلحق به، كل ما أعلمه أن الجرى مرهق، وأننا لسنا مضطرين للجرى مالم يكن نتاجًا لرغبة حقيقية منا، أما فكرة الجرى لمجرد إن " كله بيجرى" لم استسغها قط، ربما تنتهى دومًا نقاشاتى مع بعض الصديقات فى هذا الأمر باتهامات صريحة لى بأنى حالمة ..غير واقعية، صياغات مهذبة منهم لما استشعرهم يودون قوله لى ويمتنعون تأدبًا: " أنتِ مغفلة".. لم يثبت بعد مَن منا قد جَانبه الصواب " ومين اللى فاهمها صح"، فى الواقع أدرك أننا جميعًا مضحوك علينا بشكل أو بأخر، ولا يمتلك أى منا صياغة مثلى لحياته، ربما أنا وهم على قدر من الصواب والخطأ معًا فى نفس الوقت، كلٌ وفق تفكيره وأولوياته والمفاهيم التى يقرها عقله للحياة بمناحيها المختلفة ويرتضيها لنفسه.
أنا على وشك بلوغ ال 28 .. ولسبب ما، أحسبها تجربة حياتية مختلفة تستحق التوثيق؛ ربما لأنه سنًا لمست فيه تغييرات حقيقية فى شخصيتى ومفاهيمى التى صغتها تجاه الدنيا والناس، صحيح أن جزء كبير من تلك المفاهيم ثبت سذاجته، لكن ربما اكتشاف سذاجتك هو أول الطريق نحو الحكمة، قياسًا على قاعدة " اقترافك للخطأ هو الوسيلة المثلى لمعرفة الصواب".
أحببت النصف الثانى من العشرينات رغم صعوبته.. رغم أنه فعلًا سن ملبد بكثير من التخبط والتوهان والسير بخطى ثابتة نحو شيئًا لا تعرفه؛ لأنك أصلًا لا تعرف ما هى الجهة التى ينبغى سلكها، والمضمونة نتائجها..فى الواقع ستكتشف أن لا شىء مضمون أصلًا ، وأن كل تجاربنا اجتهادات لا أكثر وقد يصدف أحيانًا أن تكن محصلتها إيجابية فنتصور أننا " كنا حاسبينها صح".
النصف الثانى من العشرينات هو البداية الحقيقية للدوران فى حلقات مفرغة مرهقة للغاية، ربما يكن طريقك أسهل خلال سنوات الدراسة..تنتهى سنة دراسية فتبدأ الأخرى دون أن تنشغل كثيرًا بما ينبغى عليك فعله سوى الانتقال للسنة الدراسية الجديدة..فجأة تنتهى كل سنوات دراستك فتشعر بأنك " هنّجت" ولا تعرف ما الذى ينبغى فعله فيما بعد، هنا تمامًا تبدأ مرحلة " هو إيه اللى المفروض يحصل دلوقتى"، وفى الواقع..لا أحد يخبرك أبدًا بالمفروض..أو ربما يقدمون فقط اجتهادات قد لا تناسب حياتك.. وبين الحالتين تبدأ تجربتك الحياتية الحقيقية التى تشّكلك فعلاً وأنت تجتهد لتضع قدمك على الطريق الذى لا يخبرك أحد عن الوصفة المؤدية إليه بدقة..فتتوه بعض الشىء..تتوه كثيرًا على الأرجح، ثم تواصل تجربتك الحياتية تشكيل نفسها وأنت تجتهد لتستقر على مدى مناسبة تلك الاجتهادات التى يقدمها لك الآخرون لتصل لوجهتك.. هل ستثق فى وصفتهم لبلوغ الطريق؟ ماذا عن ثقتك فى اختيارك أنت إن اخترت المغامرة وتجربة طريق أخر؟ هل ستتحمل نتيجة أن تكتشف بعد مشوار طويل أنك سلكت الطريق الخطأ؟
لهذا تماماً أحببت النصف الثانى من العشرينات..رغم قسوته وصعوبته، تجد أنك صرت أكثر تقبلًا لفكرة أن التوهة جزء من بلوغ الطريق.. وأكثر تصالحًا مع أنك قد تسلك الطريق الخطأ من الأساس، لن تعد قاسيًا على نفسك كما كان الحال فى سن أصغر، ستدرك أن السعى للكمال أمر مرهق للغاية، بخلاف أنه خيالى جدًا وأفلاطونى.. تتعايش مع فكرة أنه ليس بمقدورنا السيطرة على كل شىء في كل وقت.. تصبح أكثر امتنانًا لكل تلك الصفعات الحياتية التى تضيف لرصيد خبراتك وتصقلك، فلن تجرى لتبكى نفسك فى غرفتك؛ أسفًا على قسوة العالم الملىء بالأشرار..ستعى تمامًا أن العالم قاسى فعلاً..وأنه ملىء بالأشرار، وأنه يتحتم عليك قبول ذلك والإقرار به والتعامل على أساسه، ستعى أيضًا أن تعاملك مع شتى الأمور بجدية بالغة سيصيبك بعدة أمراض مبكرة، فتصبح أهدأ، وإن حالفك الحظ، ستفسح مجالًا أكبر للاهتمام بنفسك.. وإسعاد نفسك قبل أن تحولك تلك السخافات التى تأخذها على محمل الجد إلى كهل فى العشرينات..أو أضعف الإيمان إلى شاب بلا روح.. ممتلىء بالخواء.
فى النصف الثانى من العشرينات ستكتشف أنك للأسف فقدت صداقات كنت تحسبها أقوى، رغم حرصك على ألا يكن خيارك فى يوم ما أن تدير ظهرك وتمضى بعيدًا، صحيح أنه ربما لن تعد لديك تلك الحماسة لاكتساب صداقات ومعارف جديدة، لكنك ستدرك أن الأهم بذل الجهد أولًا للحفاظ على الدوائر المقربة التى "تستحق " مجهوداتك وربما تنازلاتك فى بعض الأحيان.. ثم لا مانع بعدها من شىء من الانفتاح للانخراط مع الآخرين، لكن لسبب ما تكتشف أن كل العلاقات الجديدة " دبلوماسية" لا أكثر.
لسبب ما سيتراجع مع تقدمك سنًا عشمك فى الآخرين أيًا كانت درجة قربهم..وهو مفهوم رغم قسوته إلا أنه مشرق فى جانب منه؛ حيث يزداد مع تراجع عشمك فى الآخرين مدى اعتمادك على نفسك بصورة أكبر.
اقترب من الثمانية وعشرين وأنا أكثر هدوءًا فى التعامل مع الحياة، وامتنانًا لتقلباتها غير المحسوبة، ورفقًا بنفسى.. واعتقد إنه إذا كان بالإمكان تلخيص تلك المرحلة العمرية فى عبارة واحدة ستكون: " سن التوهة الجميل" ..توهة لكل ما ذكرته سلفًا..وجميل لأنها توهة تقربك أكثر من نفسك ..ومن الطريق .
الخميس، 1 أكتوبر 2015
يا أبو الطاقية..أنا قلبى معاك *
كنت حينها أبلغ من العمر أحد عشر عامًا، أو ربما أثنى عشر عامًا..لا أتذكر على وجه الدقة، ولكننى أذكره جيدًا، من بين ضبابيات الذاكرة، وتداخل تفاصيل الأشياء العالقة فى ذهنى من ذلك الزمن البعيد، بقى هو ساكنًا فى وجدانى بلا أى تشويه.. ذلك الخواجة الخمسينى " أبو طاقية بنى "..وتى شيرت فاتح اللون فى معظم الأحيان..ووجهًا رائقًا لم تعبث به هموم الدنيا، ولم تفلح الأيام فى نزع ابتسامة تعلوه..ابتسامة ودودة للغاية يشهرها فى وجه كل مَن يقابله.
كان صديقًا لخالى، يأتيه ليكتب له خالى على الكمبيوتر قصصه التى يؤّلفها..كان الخواجة كاتبًا..كاتبًا عظيمًا - على الأقل بالنسبة لى - يكتب قصصًا قصيرة جميلة.
كان قادرًا على أن يلمس روحى بكلماته التى أقرأها خلسة فى مكتب خالى الذى يقطن معنا فى نفس البناية آنذاك، كنت أتسلل لغرفة المكتب تلك وأفتح الأوراق التى تركها بخطه؛ ليكتبها خالى، فأذوب مع تفاصيلها وأضحك..أضحك بشدة، وانبهر من قدرته الفائقة على التخيل.
أذكر أن إحدى قصصه كانت تدور عن "صراصير" احتلت مسكنًا، فملأته عن آخره، صارت تتجول فى المنزل غير عابئة بسكانه، إلى أن صار سكانه أيضاً لا يعبأون بهم، تأقلم بنى البشر مع قبائل الصراصير، وصار فقط على كل منهما تنظيم حياته فى وجود الآخر، فكان الزوج والزوجة يجلسان معًا لاحتساء شاي العصارى، واضعين أيديهما على حافة الكوب؛ لكيلا يسقط صرصار فى أى منها، لم تكن القصة مقززة على الإطلاق، بل كانت كوميدية للغاية.. كانت لوحة فنية فى هيئة كلمات، تقرأها فتستحضر الصورة وكأنك ترى مشهد من فيلم، فضلاً عن خياله اللا محدود الذى يصحبك معه فى سفرة لما هو أبعد من الممكن..الممكن تخيله.
كنت حينها أبلغ من العمر أحد عشر عامًا، أو ربما أثنى عشر عامًا..لا أتذكر على وجه الدقة، لكننى أذكر أن قصصه كانت مزيجاً رائعاً بين السرد بحرفية أديب متمكن، وطرافة عجوز لم يعد يرى فى الدنيا إلا نكتة، أو ربما لم يعد يرى الدنيا إلا نكتة.
كنت حينها أبلغ من العمر أحد عشر عامًا، أو ربما أثنى عشر عامًا..لا أتذكر على وجه الدقة، لكننى أذكر أنى كنت أتعمد أن أفتح له الباب إذا علمت أنه سيمر على خالى فى موعد محدد، كنت أفتح الباب، لأفوز بتلك الابتسامة الودودة للغاية، التى يهدينى إياها مع ميل خفيف برأسه فى اتجاهى؛ ليرسل لى تحية بطاقيته المميزة.
لم يكن الخواجة أجنبيًا بالمناسبة، ولكن كانت هيئته توحى بذلك، احتفظت به في ذهنى على أن اسمه " الخواجة"، ولم اهتم حتى بسؤال خالى عن اسمه، لا أذكر أننى تحدثت أصلاً مع خالى بشأنه، ربما لأن أكثر الأشياء التى تلمس قلبك فعلاً..يشوهها الكلام .
* العنوان مقتبس من أغنية لمحمد منير
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)