السبت، 17 ديسمبر 2016
السبت، 19 نوفمبر 2016
شوربة الخضار vs البانيه
تحول درامى فى الأحداث الحياتية ربما يصبح نقطة انطلاق لبداية مغايرة، ومن باطن كل محنة تولد منحة .
ربما تبدو البداية السابقة مبالغ فيها للغاية لوصف تجربة مرض صغيرة، قادت لبداية حقيقة نحو حب "شوربة الخضار"، ولكن إن كنا نستمد الدروس الحياتية الكبيرة أحيانًا من أشياء صغيرة للغاية تقودنا إليها الصدفة، فإذًا يمكننى التنظير حول شوربة الخضار بخشوع وتبتُل تقديرًا لكل تلك الدروس الحياتية التى لقنتنى إياها فى ليلة واحدة.
- قضيت عمرًا كاملاً وأنا أنبذ شوربة الخضار، أرفض تناولها فى كل مرة توضع فيها أمامى على طاولة الطعام، تطلب منى أمى فقط أن أتذوقها لاختبر طعمها أولاً ثم أقرر بعدها تناولها من عدمه، وبحماقة المتعصب لرأيه دون موضوعية، كنت أتذوقها فقط بطرف لسانى لأوكد أنها بالفعل سيئة الطعم، فى الواقع لم أكن أعط الفرصة كاملة لمستقبِلات التذوق لتعمل كما ينبغى، أو كنت أتجاهل نتيجة عملها؛ لأن فكرة ما مستقرة فى ذهنى ولم أرد أن يثبت عدم صوابها.
(اطلاق الأحكام النهائية القائمة على افتراض مسبق دون تجربة حقيقة.. حماقة)
- بشكل ما، كنت اتصور أن شوربة الخضار عقاب، هى وجبة تُكتب للمرضى، أصبحت وجبة رئيسية فى منزلنا حينما أصيب والدى بالسكرى وأصبح نظامه الغذائى يتطلب وجبات محددة، ومن قبلها، كانت توضع على طاولة الطعام بمنزلنا فى كل مرة يصاب أحد أفراد الأسرة بأنفلونزا، ومع الوقت صار من المألوف أن تجد شوربة الخضار بمنزلنا. ظروف سيئة تعرفت فيها على شوربة الخضار، ظروف ظالمة لى ولها إن كنت أريد للتعبير أن يصبح أكثر دقة، إلا أن المفاجأة بعد أن تناولتها تناوُل المضطر تحت ضغط اضطرابات بالمعدة، أن وجدت فيها راحة كبيرة لمعدتى.. بل وطعمًا محببًا أيضًا، ويبدو أن للـ "كرفس" دورًا سريًا فى لذة الطعم.
(قد يكون ما يريحنا أمامنا طول الوقت.. ولأننا اعتدنا وجوده لا نراه)
- قبل أن تثور معدتى، كنت قد تناولت قطعة من " البانيه" الذى أحبه بشده ، ويبدو أنه كان سببًا فى إرهاق معدتى ومصارعتى التقلصات ليلة كاملة إلى أن انتشلتنى شوربة الخضار من الألم وأهدت معدتى الراحة، ربما كانت البانيه وجبتنى المفضلة على مدار سنوات عمرى الــ 29، كنت أتجاهل كل التحذيرات المحيطة بخطورة تناولها لتشبعها بالهرمونات، وبأضرارها على الكوليسترل لتشبعها بالزيت، كنت أتجاهل كل ذلك فى سبيل لذة وقتية يحققها لى الطعم، ومع الوقت تبين لى كيف يؤذينى البانيه، وكيف أن كل لذة وقتية تجعلنا نغفل ما يستحق الوقوف عنده، تتحول لألم فى النهاية، بعد أن ينتهى مفعول اللذة.
(كل متعة وقتية زائلة، ويبقى فقط مدى الراحة أو الألم كمحصلة حقيقية يمكن من خلالها تقييم تجاربنا)
تحول درامى كحبى الوليد لشوربة الخضار كان جديرًا به أن يجعلنى أعى حقيقة أننا نتغير، نتغير بشدة مع الوقت، ولا يعنى ثباتنا على مبادئنا أن تكن أفكارنا كالأصنام جامدة، وإنما أن ننفتح على الأفكار الجديدة بمرونة، وبشجاعة لا تجعلنا نتنصل مما اعتقدناه مسبقًا، ربما الأمر أشبه بالمراجعات الفقهية، وبمراجعة فقهية توصلت إلى أنه صحيح لا يمكن لشوربة الخضار مهما وفرت لى أسباب الراحة أن تصبح بالنسبة لى بانيه فى يوم من الأيام، إلا أن الأذى الذى ألحقه البانيه بمعدتى، يُحتم علىّ إفساح المجال لإدخال شوربة الخضار إلى حياتى، فربما يتعين علي المرء أحيانًا أن يبتعد عما يحب إذا ثبت له أنه يوقع الضرر عليه.
الثلاثاء، 25 أكتوبر 2016
بلوتو الدور الرابع 18- حتة ناقصة
عزيزى على..
صديق الفضاء الأقرب - بعكس المنطق- من بُعد المسافات والكواكب، صديقى القريب جدًا..البعيد جدًا
كيف حالك يا صديقى؟
كيف هى الأيام عندك فى بلوتو، هل صارت غريبة كما الحال لدينا على كوكب الأرض؟ لا أعنى بأن الأيام هنا صارت سيئة، وإنما هى فقط غريبة، لم تعد كما اعتدنا، ليست بنفس الطعم، تغيرت لنكهة لم اسستسغها بعد، فجأة تدرك أن القريبين لم يعودوا حولك، وأنك كالغريب وسط المحيطين، تمضى أوقاتًا لطيفة لكنك لا تستطع وصفها بالسعيدة، تضحك لكن دون أن يمس وجدانك أثر الضحك، وتبكى فى غير محل البكاء إن طاوعتك دموعك من الأساس، تنخرط فى الأحاديث دون أن تشفى حاجتك حقًا من البوح، تستمع دون استمتاع حقيقى بما يٌقال، وكأن كل شىء ينقصه شىء.
بإمكانك يا صديقى أن تُجرى بحثًا بسيرفرات رأسك - إن كان لك رأس- على فيلم Before Sunrise لتفهم ما أود أن أخبرك إياه، حينما أخبرت البطلة البطل بما معناه أنها قضت أوقاتًا لطيفة كثيرة مع أشخاص تستمتع بالفعل بصحبتهم، لكنها فى كل مرة كان يتسرب لها ذلك الإحساس بأنه ما كان يجب أن تكون هنا الآن.. فى هذا المكان.. أو مع هؤلاء الناس.
أتظن يا على أنها مشكلة الإنسان المعاصر كما حاول ذلك البوست الذى طالعته على فيس بوك مؤخرًا أن يحلل المسألة؟ قالت صاحبة البوست حينها أنه من الصعب مع كثرة الخيارات الحياتية التى أصبحت متاحة أمام المرء فى العصر الحديث أن يشعر مع تعددها بالرضا، وأن الخيارات البسيطة والمحدودة أمام المرء فى أزمنة أقدم، مع بساطتها إلا أنها كانت مُشبعة.. كانت مُرضية.
ربما أقنعتنى صاحبة البوست، حتى أننى وجدت الأمثلة تطل إلى رأسى لأدلل على ما تقوله، فاستحضرت فى ذهنى حالة مَن يشاهد قناة تليفزيونية معينة، ويفوته الإحساس بمتعة ما يشاهد؛ لأن ثمة شعور مُنغّص يشعرك بأن لابد وأن هناك ثمة ما هو أمتع مما تشاهد يُعرض على قناة أخرى من ذلك العدد اللانهائى من القنوات، وربما ينتهى بك الأمر متجولاً بالريموت كنترول وسط بعض القنوات، لتشاهد شيئًا من هنا على شىء من هناك دون مشاهدة حقيقية ممتعة لشىء واحد بعينه.
أكتب لك ذلك ان وأنا يدور فى ذهنى تلك العبارة التى لا أذكر كاتبها؛ لرداءة ذاكرتى حينما قال: " كانت الخيارات محدودة، لكنها كانت جميعًا تُسعدك".
لا أعنى ياصديقى أنها أزمة تكنولوجيا وحداثة، رغم أنها من المؤكد تُشّكل عاملاً، ولست ممن يتندمون ليل نهار على ما خرّبته فينا التكنولوجيا، رغم أنها بالفعل قد شوهت فينا الكثير ونالت من إنسانياتنا، لكنى لست ذلك الشخص الذى يمكن أن يُنكر اسهامتها العديدة فى حياتنا وتيسيرها لها، أنا فقط لا أظن الأمر محصورًا فى التكنولوجيا، ولا فى عدم الرضا فقط.
أظن المشكلة صارت يا صديقى فى نمط حياة مزعج لأقصى درجة يطحنك فى اليوم الواحد عدة مرات، يجعلك تلهث طوال الوقت، ضِف إلى ذلك المفاهيم الاجتماعية المحيطة التى صاحبت نمط الحياة هذا، ستجد أنك تُضغط فى نفس الوقت من مائة اتجاه متضاد، البعض يضغطك فى اتجاه تحقيق ذاتك على مستوى شخصى لأنه الأبقى، والبعض الأخر يضغطك فى اتجاه تحقيق ذاتك عمليًا لأنه أيضًا وللعجب الأبقى، والمحصلة أنك إن وقفت فى أى جانب ستشعر بأن ثمة شىء ناقص قد فاتك يوجد فى الجانب الأخر.
قِس ذلك على شتى شئون الحياة يا صديقى، ستجد أن نمط الحياة الضاغط الذى نعيشه يطالبك فى نفس الوقت بتحقيق كل شىء .. وحالاً، كذلك الكوميك الشهير لمحمد سعد - أحد فنانى كوكبنا- ، وهو غاضبًا على عبلة كامل فى فيلم اللمبى مشيًرا لها بيده وهو يقول مهددًا: "لأ.. دلوقتى".
نلهث.. صرنا نلهث يا صديقى لنتمكن من تحقيق أكبر قدر ممكن من كل تلك الأشياء التى نُدفع دفعًا لتحقيقها تحت ضغط ضرورة أن تفعل، فأصبحنا نمر على كل شىء دون ارتواء من أى شىء.. دون إحساس حقيقى بالشىء.
ربما لذلك يا صديقى كتب مصطفى محمود -أحد مفكرىنا- قائلاً : "أريد لحظة انفعال.. لحظة حب.. لحظة دهشة.. لحظة اكتشاف..لحظة معرفة.. أريد لحظة تجعل لحياتى معنى، إن حياتى من أجل العيش لا معنى لها؛ لأنها مجرد استمرار"
دُمت بخير يا صديقى.. مرتويُا مما تود.. وبعيدًا عن اللهاث ومطاردة ما لا يستحق
من كوكب الأرض.. مع تحياتى،،
الخميس، 29 سبتمبر 2016
بوسطة 4 - هَنا ويوسف وعلى
لم أستسغ يومًا مقولة " أعز الوِلد..وِلد الوِلد"، كنت أراها دومًا مجحفة وظالمة، بل كنت استشعر فيها شىء من الخيانة وعدم الوفاء، فكيف يمكن لأى أم أن تضع حبها الكبير لأبنائها جانبًا مقابل أطفال صغار لم تعِش معهم كما عاشت مع آبائهم؟
أفكر كثيرُا فى أن هذه المقولة موازية تمامًا لأن يتزوج أحدهم بزوجة ثانية فيحبها أكثر من زوجته الأولى، وتطل فى رأسى الجملة الشهيرة لماجدة زكى فى مسلسل الحاج متولى " دة أنا القديمة".
أما الآن..فإن كان يمكن أن أقيس هذه الجملة على حالة شعورية مماثلة، فإنه يمكننى تأكيدها، وأن أجزم بأن بها من الحب ما هو أكبر من الخيانة التى كنت أظنها تختبىء خلف كلمات المقولة.
صغار ثلاثة قد لقننونى الدرس: هَنا ..ويوسف .. وعلى، وأكدوا لى أن حبهم الذى أظنه أحيانُا يفوق فى قلبى حب أمهاتهم - صديقات عمرى - لا تشوبه شبهة الخيانة من قريب أو من بعيد، بعد أن وجدت نفسى فى ورطة التلبس بخيانة كتلك التى تنطوى عليها مقولة أعز الوِلد.
شىء من الارتباك قد تسلل إلى قلبى بعد أن وجدتنى امتلىء بالتعلق بالصغار الثلاثة بصورة تجعلهم يطلون فى رأسى قبل أمهاتهم أحيانًا، قضيت الليل وأنا أحاول فض هذا الاشتباك داخلى، إلى أن وصلت لتفسير يرضينى تمامًا، ويجعلنى أغيّر منظورى القاسى بشأن جملة " أعز الوِلد"، فببعض التدقيق تكتشف أنه لولا الحب للأصل لما أحببت الفروع بهذا القدر، تتعلق بهم لأنك ترى فيهم نسخًا مصغرة من آبائهم الذين أحببتهم أولاً، أى أن التورط فيهم لا يمثل خيانة للآباء وإنما هو إثبات أكبر على عمق المحبة.
صغار ثلاثة يزداد تورطك بهم كلما كبروا واستطاعوا تمييز شخصك، باتوا يعرفونك باسمك ويآلفوك، يهرولون عليك ليستقبلونك بأذرع مفرودة فى كل لقاء يجمعهك بهم، يسألونك فى نهاية كل خروجة: "مش هترّوحِى البيت معانا ليه؟" ..يتبادلون معك قصصهم الطريفة بشأن الأميرة رابونزيل، وشجاعة سوبر مان، هذا طبعًا فى حالة هَنا ويوسف، أما على الذى لم يجيد تركيب الكلام بعد فيكيفينى عناقه بيده الصغيرة حينما يألف كتفى ويجد فيه مساحة آمنة للنوم، أو إشارته بيده الصغيرة لى لأرفعه من الأرض، إذا خشى محاولة بعض الغرباء التودد إليه .
بوسطة اليوم ربما لا تجيدوا قرائتها يا صغارى، لكننى أكتبها رغمًا عن ذلك لتتمكنوا مستقبلاً من قرائتها، وتعرفون أن ثمة شخص فى زمن بعيد قد كتب لكم أول خطاب حب فى حياتكم، ولتعرفوا أن بسببكم بات قلبى الآن ينخلع مرتين عند وداع أصدقائى السنوى لظروف السفر: مرة لفراق الأصول.. ومرة للفروع، ليبقى ما يطمئن القلب حقيقة أن الجذور ثابتة فى الأرض رغم المسافات.
الأحد، 18 سبتمبر 2016
بحب السيما *
(1)
بدأت القصة حينما اصطحبنا والد صديقتى لمشاهدة فيلم "تيتو".. كنت حينها فى الصف الأول الثانوى على ما أتذكر.
بكيت فى أثناء المشاهدة..بكيت كثيرًا، لا لموت البطل الذى كنت أعلم بشأنه قبل دخول الفيلم، حيث تطوعت صديقتى بحرق الأحداث، وهى تقترح دخول الفيلم: " عايزين ندخل تيتو.. السقا هيموت فى الآخر".. هكذا ببساطة.
فى الواقع كنت أبكى من قبل الاستراحة حتى، وواصلت البكاء لنهاية الفيلم، ربما لأننى كنت أعلم بموت البطل فى النهاية، فكنت أشعر بأن الخط الذى تتصور عنده أن الأحداث قد بدأت فى إنصافه بالعثور على الحب وبتوديع ماضى قاسى ماهى إلا خدعة مؤقتة، ثم سنستيقظ مرة أخرى عند النهاية والبطل مسلوب كل هذا إلى جانب حياته أيضًا، قِس ذلك على الحياة إجمالاً ثم ابكِ ما شئت من البكاء.
أذكر أن صديقاتى سخروا من بكائى كثيرًا يومها، لم يعتادوا رؤيتى أبكى، ثم فجأة يروننى أطيل البكاء وبدون داعى حتى، فبالبطل لم يمت بعد، حتى أنهم كانوا يمازحوننى قائلين: "هو أنتِ كنتِ من أطفال الشارع ومخبية علينا؟".
لم أبكِ يومها بسبب الفيلم على الإطلاق، وإنما كان الفيلم عاملًا مساعدًا لتحفيزى على البكاء، أو بالأحرى لتطهير روحى بالبكاء الذى عصانى طويلاً فى فترة لم أكن فيها نفسيًا على خير ما يرام.. ولهذا تمامًا بدأت أحب السينما؛ لأنها تحرك شيئُا ما فى إنسانيتك عبر شاشتها.
(2)
"تسهم ظروف التعرض للرسالة فى تغيير مستوى التأثر بها".
قاعدة تلقنتها فى أثناء دراستى للإعلام، وهى قاعدة بإمكانها أن تفسر لك لمَ قد ترتعد خوفًا من فيلم غير مخيف بدرجة مفزعة، لمجرد أنك كنت تشاهده وحدك بالمنزل مساءً.. ظروف التعرض التى جعلتك تشاهده بمفردك ليلًا تضخّم إحساسك بالخوف،.. تضخم إحساسك بالفزع من أى حركة مباغتة على الشاشة، القاعدة نفسها يمكن أن تنطبق أيضًا على استمتاعك بفيلم غير ممتع بدرج كبيرة لأنك تراه داخل السينما، حيث الإبهار المضاعف ..صوت مضخم..شاشة كبيرة.. مشاهدة لا يقطعها من يطلب منك إنجاز بعض المهام كما الحال فى المنزل، وقبل ذلك استعدادك نفسيًا للاستمتاع..فأنت ذاهب للسينما لتمضية بعض الوقت الممتع.
لهذا تمامًا امتد حبى للسينما، حيث كل شىء مضخم ومقدم لك بصورة مبهرة، حتى وإن أوقعك حظك العاثر فى دخول فيلم سىء القصة، يمكنك أن تستمتع حينها بالصناعة السينمائية، أما إن كان الفيلم أيضًا ردىء إنتاجيًا، تجد أنك تقع فى نوبة من الضحك الحزين على الفلوس التى تم إهداراها فى اختيار سىء كهذا.. تضحك للقاعدة الإعلامية السابقة نفسها..ألم تستعد نفسيًا قبل دخول الفيلم أنك ستقضى وقت ممتع، تمضيه بالفعل ولكن بطريقة آخرى غير التى توقعتها بأن يتسبب لك فيها جمال الفيلم، فتستمتع لرداءته، ربما للسبب نفسه كانت أكثر مرات ضحكت فيها فى السينما بسبب أننى لا أتخيل أن هناك سخافة إلى هذا الحد، تمامًا مثلما حدث حينما أصطحبنا والد صديقتى - نفس الشخص الذى أصطحبنا لدخول فيلم تيتو- لمشاهدة فيلم " خالتى فرنسا" ظنًا منه أن بالفيلم إسقاط سياسى كما فى حالة مسرحية " ماما أمريكا"، ثم انتهى الأمر بعمو نائمًا، وبى أنا وصديقاتى ندير ظهرنا للفيلم وننخرط فى تبادل الأحاديث، إلى أن انتهى اليوم بالفعل نهاية سعيدة مازالت تضحكنا إلى يومنا هذا.
تهديك ظروف التعرض التى توفرها لك السينما فرصة لا بأس بها للاستمتاع، وسواء كان الفيلم جيدًا أو رديئًا تجد أنك استمتعت، وأن نبوءة الفنانة يسرا قد تحققت: " كدة ينفع وكدة ينفع".
(3)
تضمن مسلسل " وجه القمر" لفاتن حمامة ، مشهدًا لأحمد الفيشاوى، حينما أصطحب ياسمين جمال عبد الناصر إلى ذلك المكان المفتوح؛ لأنه لم يكن بخير ، ثم جعلها تجلس إلى جواره ولم يتفوه بكلمه، صمتا طويلاً إلى أن تسائلت بما معناه: " هو أنت جايبنى هنا ليه واحنا ما قلناش كلمة بقالنا ساعة؟".
لا يمكننى أن أعبَر عن واحد من أكبر أسباب حبى للسينما إلا من خلال هذا المشهد، السينما هى تمامًا ذلك المكان المفتوح الذى بإمكانه أن يوفر لك صحبة صامتة، حينما تكون فى حاجة للصحبة والصمت فى الوقت ذاته، لأنك لست بخير.
كنت قد مررت أنا وصديقتى المقربة بفترة بها بعض الاضطراب غير المعلن بيننا، تلك الأوقات التى تعرف فيها أن شيئًا ما قد حاد عن مساره الطبيعى، لكنك تفّضل تجاوز ذلك بانتظار هذا الوقت أن يمضى فحسب، لأن لا أسباب ملموسة لذلك الوضع الملتبس يمكن حلها، هو فقط وقت سخيف وعليك انتظار أن يمضى، حينها ذهبنا للسينما لأننا كنا فى حاجة لأن نمضى بعض الوقت سويًا دون أن نتحدث فى أى شىء، هربنا من اختيار أى مكان آخر قد يفرض علينا أن نواجه بعضنا، فوجدنا فى السينما الملاذ الآمن لصحبة تكفل لنا أن تكون كل واحدة بمفردها لكننا معًا فى الوقت نفسه، أن نصمت معًا- إن جاز التعبير- فى أثناء مشاهدة الفيلم .
انتهت ساعتى الفيلم، فوجدنا صخب الحديث يستعيدنا ونستعيده، تحدثنا عن الفيلم ثم مضينا لتناول الغداء، لنكتشف أن الوقت الثقيل بيننا قد انقضى، ألقى الفيلم حجرًا فيما قد ركد بيننا لفترة، وقتها أدركت أن السينما هى ملاذى حينما أفقد الشهية للكلام وأشتهيه فى الوقت نفسه.
كان الفيلم Eat.. Pray..Love على أى حال.
* عنوان التدوينة مقتبس من فيلم يحمل الاسم ذاته.
الأحد، 28 أغسطس 2016
ماركة مسجلة
فى أولى حصص مادة " رياضة 2" فى الصف الثالث الثانوى، كان أستاذ المادة يكثر الثرثرة عن ابنته، لا أذكر اسمه، لكن تفاصيل وجهه منحوتة فى ذاكرتى، كما أن حديثه بفخر كبير عن ابنته التى التحقت بكلية إعلام المنيا محفور أيضًا فى وجدانى.
كمراهقات لا يشغلها سوى موعد انتهاء الحصة لم نعر لقصته أى اهتمام، ليس فقط لأن وجودنا فى المدرسة لم يكن إلا تحصيل حاصل بعد اعتمادنا الأساسى على الدروس الخصوصية، وإنما لأنه سبق ودخل لنا "حصة احتياطى" فى العام السابق، وحكى لنا القصة نفسها: "ابنته.. وإعلام المنيا"، الفارق الزمنى بين المرتين سنة.. والمشترك فى المرتين شيئًا ما تلمسه فى وجهه، تلك الحماسة التى تعلو وجهه.. لمعة العين نفسها.
أؤنب نفسى اليوم يا أستاذى الذى لا أذكر اسمه - وبعد عشرة سنوات من تلك الحصة- أننا كنا نتبادل الضحك بشأن حديثك المكرر، أما سبب تأنيبى لنفسى فقد علمتنى إياه السنوات، ضحكنا لأننا لم نكن نعى أو نُقّدر ما وراء لمعة العين وحماسة الحكى، ولأننا اختزلنا الأمر برمته بسطحية تامة فى كونك رجل تقدم به السن فأصبح يُعيد علينا الحكاية نفسها مرارًا.
أفكر بعد عشر سنوات من حصتك، فى منشور طالعته على فيس بوك، كتبت صاحبته: "بعد أن أصبحت أمًا ازداد حبى لأمى".. ربما هذا يا أستاذى هو سبب تأنيب ضميرى لسخريتى أنا وزميلاتى من حكايتك المكررة، لأننا لا نُقدر أى تجربة يخوضها الغير إلا بالمرور بما يوازيها.. بأن نعيش حالة شعورية مماثلة، أكاد أجزم إن صاحبة المنشور بعد أن أصبحت أمًا سامحت أمها فى قرارة نفسها على ما كانت تفعله الأم ويزعجها؛ لأنها بعد أن تسلمت راية الأمومة زال الغبار عن فهمها المحدود، فأصبحت أكثر تقديرًا لمجهودات أمها؛ لأنها مرت من الباب نفسه.. وخاضت التجربة نفسها.
هذه هى الفكرة العامة يا أستاذى، والتى أعادتك لذهنى بعد عشرة سنوات، بعدما وجدت نفسى أتحول لنسخة مصغرة منك، نسخة تعيد الحديث ذاته مرارًا وتكرارًا، لدى أيضًا موضوعاتى المكررة، وربما جدتى هى أول هذه الموضوعات، كتبت عنها مسبقُا أنها حكايتى التى لا أمّل أبدًا من ترديدها، لدى أيضًا بعض الأشياء والأشخاص فى حياتى بات الحديث عنهم " ماركة مسجلة"، ربما يتسلل إلىّ أحيانًا شعورًا بالابتذال لأننى أتحول فى بعض الأوقات لما يشبه شريط الكاسيت الذى تسمع فى كل مرة تضعه فيها فى الكاسيت نفس الكلام، ربما تنصرف أنت كمستمع عن الانتباه فى كل مرة لما هو مسجل على الشريط، لكن حتى عدم انتباهك لن يمنع المطرب من مواصلة أغنيته، نتحول أيضًا يا أستاذى لمطربين أحيانًا، يطربنا الحكى عمن يمسون القلب، فنشدو بالحديث عنهم، ننشد الأغنية نفسها مرارًا، وفى كل مرة نحكيها ببهجة المرة الأولى.. بنفس الحماسة ولمعة العين.
ربما أطمئن أحيانًا لأننى لم أتحول للعجوز الذى ينفر منه الناس بفعل حكاياته المكررة، حينما يقُدم لى عمرو دياب تفسيرًا للأمر بقوله: " أيوة أنا عارف إن كلامى عليها كتير".. بإمكانك يا أستاذى أن تستبدل محبوبة عمرو دياب، بكل ما ومَن تحب، ثم لا تلقِ بالاً للأمر حينما يكثر حديثك عنهم، واستمد من دياب ثقته وأعلنها مثله: " أيوة أنا عارف"، فمن حق كل جميل يمر على القلب الاحتفاء به.
أما أنا فإن عادت بى السنوات عقدًا كاملاً، فلن أسخر منك أبدًا، وسأنصت تمامًا لك وأنت تحكى قصتك المكررة عن ابنتك التى التحقت بكلية الإعلام بالمنيا.
الجمعة، 12 أغسطس 2016
بوسطة 3- مها الديب وسمر صلاح
يُقال أن أكثر ما يعنى المرء لا يمكنه التعبير عنه، وأن لا كلمات تنصف صدق إحساس ما يُغلف القلب، ولهذا ربما تأخرت كتابتى إليكما.
ويُقال أن من أكثر الحماقات التى قد ترتكبها فى حق أحدهم أن تكتفى بصدق إحساسك له، أو بمعرفتك أنه فقط يعرف، دون أن تشدد على عمق محبتك وتؤكدها من حين إلى أخر، ولهذا أكتب إليكما.
بالأحرى ..لن أكتب إليكما.. ولكن عنكما.. أو عنا، أكتب فقط لأوثق مراحل حياتية تجمعنا، وربما أكتب احتفاءًا بلقاء منتظر يجمعنا بعد سنوات هذّبتنا فيها المسافات.. ثلاث سنوات لم يجتمع ثلاثتنا فيهم، بعد أن كنا لا نفترق إلا للنوم، وثلاث حدود جغرافية مختلفة وقارتين، بعد أن كنا نجيد إقناع مُدرّسة الفصل إن " احنا موافقين نقعد تلاتة فى نفس الديسك محدش ليه دعوة".
ربما لا أحتاج سببًأ لتبرير لماذا أكتب عنكما الآن، سوى أننى فقط أردت ذلك، ربما لأننى مع الوقت يزداد إدراكى لأن الله قد مّن علينا برفقة آمنة، كنت أفكر فى ذلك بينما أتناول غدائى، أفكر لماذا امتدت صداقتنا لسنوات طويلة برغم أننا بالفعل ثلاث شخصيات مختلفة للغاية ، هل لأن ثمة ثوابت تجمعنا برغم كل تلك الاختلافات؟ .. تبدو الإجابة منطقية، تتباين شخصياتنا كثيرًا بالفعل، وتحيد لكن لا عن خط معين نتفق عنده دومًا، خطًا تذوب عنده كل الاختلافات، لكننى عند قرب انتهاء تناولى للطعام توصلت لإجابة أحسبها أكثر انصافًا، ويبدو أن المرء ينتظم تفكيره وهو غير جائع.
توصلت إلى أن واحدًا من أكبر أسباب استمرارنا كأصدقاء برغم المسافات والاختلافات وحتى الزعل، هى أننا نمثل" رفقة آمنة" لبعضنا البعض، نأمن الحديث لبعضنا البعض دون تشكيك فى احتمالية فهم خاطىء.. أو خوفًا على خصوصية قد تُنتهك، تبدأ الأحاديث عندنا وتنتهى عندنا دون حاجة للتأكيد على خصوصية أو حساسية الحديث.
رفقة آمنة تثق معها وفيها، حتى وإن خذلنا بعضنا البعض أحيانًا فى تفاصيل صغيرة تسقط عنا سهوًا لا عمدًا، إلا أن ثقة عارمة تملؤنا بأن فى الأحداث الكبيرة الجوهرية نحن معًا حتى وإن لم نكن معًا، حتى وإن كانت تفصلنا قارات، وأحمد الله أننا مررنا معًا بتلك التقلبات الحياتية التى جعلتنا نختبر صداقتنا عمليًا بعيدًا عن الكلام المطاط أو الشعارات الزائفة، وصولاً لأن أكتب هذا وأنا أعيه كحقيقة مؤكدة..لا كحروف أسطرها فقط على الكيبورد فى تدوينة.
أنهى غدائى، واغسل طبقى وأنا أفكر فى جمال كل مرة طال كل واحدة فينا " قفا حياتى" من نوع ما، فتهرع للتعبير عن حبها لنا وامتنانها لوجودنا فى حياة بعض، فما أن تبدأ إحدانا " الكونفرزيشن" بــ " أنا فعلاً بحبكوا ..وأنتوا من النعم اللى فى حياة الواحد"، إلا وتعى الأخريات أن محور حديثنا سيكون عن عالم مخيف شرس صادفته صاحبة الرسالة فى يومها، على طريقة "أن أفضل وسيلة لمعرفة الناس الصح فى حياتك..إنك تقابل ناس غلط".
هذا تمامًا ما أعنية بالرفقة الآمنة، دائرة العلاقات التى تأمن فيها نفسك وخصوصيتك وحديثك المتحرر من الخوف.. الأكتاف التى تستند إليها.. العقول التى تستوعبك حتى وإن لم تتفهمك بشكل كامل، لكنها تحرص على أن تستوعبك وتحتويك دون تسفيه مما تمر به، الأشخاص التى تنتهى عندها محاولات الجرى بعيدًا عن كل أولئك المخيفين فى هذا العالم القاسى.
ربما أكون تجاوزت أمور كثيرة كان يمكن أن اكتبها عنكما، أمور تمتد لتشمل الحديث عن رفقة قاربت العشرين عامًا أو زادت قليلًا، وربما لم أتجاوزها وإنما لأنه يصعب علىّ التوثيق لحياة كاملة فى تدوينة، وربما لأننى فى حاجة ماسة لكوب نسكافيه ما بعد الغداء.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)