الاثنين، 18 يونيو 2018

نهاية بلا نهاية


لم تعد خسارتنا للأشخاص تأتي عقب مشاجرة مزلزلة كما كان الحال أيام طفولتنا، بِتنا نخسرهم دون شجار من الأساس، تتكدس التراكمات واحدة فوق الأخرى، موقف بعد موقف، فينبني حائط من الخيبات يفصلنا عنهم، وينتهي كل شيء ..هكذا ببساطة. 


يُقال أن لا علاقة بين أي اثنين تنتهي بفعل الموقف الأخير، وقد يتصادف أن يكون الموقف الأخير هو الأكثر سذاجة بينهما، لكن ما يُنهي العلاقة حقًا التراكمات،  وأظن أن الأمر ذاته ينطبق على شتى أنواع العلاقات الاجتماعية، تُنسَج النهاية على مهل منذ أول موقف أوجعنا بحق وغضضنا الطرف عنه، ومرة بعد مرة نفقد قدرتنا على التغافل، وتتلاشى قدرتنا على الاستمرار، لنكتشف حينها أن جرح أول موقف لم يندمل، ولم نشف منه تمام الشفاء، وكأننا فقط اخترنا ألا نتألم منه بصوت عال؛ ظنًا مننا بأن التحايُل على ما يؤلمنا يضمن لنا تعافي أسرع، لكن لا خَدر يمنع التألم نهائيًا، هو فقط يؤجل موعد إحساسنا به، لتأتي مواقف تالية فتجدد النزف من الجرح القديم مع جراح جديدة، فتصعب المداواة .


تبدل شكل الخسارة، فلم تعد روابط جمعتنا بالبعض تنتهي بنقطة واضحة في أخر السطر، بِتنا نألف شكل أخر للخسارة نلتقي فيه هؤلاء كل يوم، نحدثهم كل يوم، لكن الفارق أنهم يكونوا قد سقطوا من ذلك البرج العالي الذي وضعناهم فيه في قلوبنا، أتذكر ما كُتب يومًا على أحد وسائل التواصل الاجتماعي بما معناه "لا يُشترط أن أعاملك بسوء إذا كنت غاضبًا منك، صرنا أنضج من ذلك"، أضيف: "لن أدير وجهي حينما أراك، يكفي فقط أنك سقطت من قلبي" .

نلتقيهم .. نتعامل معهم- ربما بشىء من عدم الأريحية- لكننا وهم نعرف جيدًا أن ما كان لم يعد موجودًا، صار ما يجمعنا ضرورة لا أكثر، صارت مساحتهم في القلب خالية.. تحول بستانهم المزهر في القلب إلى صحراء مقفرة، أما مساحتنا التي شغلناها في قلوبهم فيكون نصيبها الشك في أنها كانت موجودة في يوم ما من الأساس، وشيئًا فشيء تبهت العلاقة تمامًا وتتلاشى كأنها لم تكن، عبّر عز الدين شكري فشير عن ذلك في كتابه باب الخروج حينما قال: " افترقنا وانتهى الأمر بيننا.. لا دراما، مجرد شعور مستقر بأن ما ضاع لن يعود، وربما لم يكن موجودًا وتخيلته أنا أو تمنيته".

مؤسفة للغاية نهايات كتلك.. ليتنا تشاجرنا ليتوفر لنا سبب منطقي للنهاية!.

هم ليسوا سيئون، لكننا بالغنا في تصديق أنهم أفضل مما هم عليه، ربما فقط أسأنا الفهم فأعطينا للآخرين أكثر مما يستحقوا، وخوّلناهم مكانة لم يكونوا أهلاً لها، ربما الخطأ في التقدير غير السليم للأشخاص ومكانتهم، لا أنهم تبدّلوا أو تغيّروا،  ربما الخطأ كله أننا لم نتمتع فحسب بالبصيرة الكافية، فكانت رؤيتنا قاصرة..منقوصة.. وتنطوي على تضخيم ومبالغة.


أفكر .. هل لي أن أحزن؟ 
فأسارعني بالجواب في هيئة سؤال، وهل يحتاج الحزن إلى إذن؟ يغمر الحزن المرء بلا استئذان، يتمكن منه في الوقت الذي يتصور أنه بفعل خيبات سابقة أنهى مخزون الحزن كله لمنتهاه، لكنه مرواغ، الحزن مرواغ، يأتي أحيانًا بلا مقدمات، ويعصانا أحيان أخرى في أوج هزائمنا فلا نشعر به، لكن يظل الحزن دومًا شعور إنساني طبيعي مهما سفه السبب أو تعاظم، لذا طبيعي أن أحزن.. لا عليهم..وإنما على حسن الظن الذي لم يكن في محله، أو ربما على صورة جميلة لهم في مخيلتي لم تكتمل أبدًا، يبدو إنه حقيقي ما يتردد عن إن السعادات غير المكتملة تولد حزنًا مضاعفًا، بينما السعادات التي لم نعرف إحساسها من الأساس يكن وجعها أقل..وجع تمنيها فحسب، أما وجع أن تمتلك ثم تفقد فبالغ القسوة، ربما لذا يأسرني دوما تعبير: ( لقد مسنا الحلم مرة)..وأستشعر فيه شجن عميق سواء على صعيد وطني أو على أصعدة حياتية شخصية.  

أعاود التفكير.. هل لي أن أندم؟ 
أتردد في الإجابة إلى أن استقر عليها: لا، فكل تجارب الحياة دروس لأصحابها، وبعضها فقط نتعلمه بطريقة مؤلمة، لتظل برغم الألم منطوية على ما يصقل المرء ويعيد تشكيله، ويبقى الأمر المطمئن في النهاية أن البِر لا يَبلى، كل بِر بذلته النفس للغير وتبين أنه لم يكن في محله لن يبلى عند الله، فعلام الندم؟.


استطرد التفكير، وماذا إذن عن هذا الوقت المنطبع في القلب كندبة، هل سيمضي ويزول أثره الثقيل؟ 
يبادرني جاهين بالرد: "هتنتهي ولابد راح تنتهي، مش انتهت أحزان كتير قبلها؟".
  




الأحد، 22 أبريل 2018

أنتم لي يوتوبيا

انزل للحديقة المُلحقة بذلك المكان تضييعًا للوقت لحين انتهاء  الموظفين من بعض الإجراءات الإدارية التي تخصني.

في الحديقة يترك صديقان- في بداية العشرينات على ما يبدو - كل المقاعد المخصصة للجلوس ويستقرا سويًا على درجة مرتفعة قليلاً عن الأرض، أو بالأحرى يستقر أحدهما على تلك الدرجة، بينما يجلس الآخر أمامه في وضع القرفصاء منتبهًا لحديثه، يتبادلان سويًا حديث في انهماك شديد وتتسرب لسمعي بضع كلمات فيبدو أن حديثهما عاطفي، يشتكي أحدهما ويسدد الأخر نصائح، اختلس من حين لآخر رغمًا عني بعض النظرات لهما إذ شدني المشهد، بإمكان الرائي أن يلمس علاقة صداقة حقيقية تعكسها الوجوه التي تحمل الهم ذاته..بدا كلاهما بنفس الاضطراب لدرجة أعجزتني لوهلة عن تحديد مَن الشاكي ومًن المنصت، أحببت المشهد ولمس شيئًا ما في قلبي.



الأصدقاء الحق والأحباب وكل مَن يشعر المرء بالألفة في حضرتهم، هم وحدهم السلاح المضمون في الحرب مع الحياة، ووحدهم القادرين على تغليف القلب بالسكون وسط فوضى العالم،  وعالم يسكنه الأحباب ومَن يأتنس القلب بهم وتتبدد معهم وحشة الدنيا وغربة النفس هو يوتوبيا خاصتي، أتقدم سنًا وفي كل عام تتأكد لي هذه الحقيقة: "أعظم ما قد يجنيه المرء في حياته صُحبة وونس يُبددا مخاوفه ويعيناه على صعاب الدنيا". 

بعكس السائد عن المفهوم، لم أعد أرى يوتوبيا مكانًا حالمًا مثاليًا للغاية.. في الواقع باتت تؤرقني جدًا فكرة المثالية، وصرت أراها فكرة ساذجة مرهقة لمن يعتنقها، بينما لا وجود لأي مدينة فاضلة على الأرض، ولن يمكن تحقيق ذلك على أي حال، ولا تشاؤم في ذلك وإنما واقعية.

نحن جزء ضئيل وصغير جدًا في عالم أكبر، وما عاد يعنيني العالم على اتساعه في شيء، لم أعد التفت إلا لعالم صغير جدًا..عالمي، وأحاول أن أراه متسع بمنظوري أنا.. عالم رحب متسع بتفاصيل صغيرة مريحة فحسب، قد يبدو للأخرين بسيط لدرجة الضآلة ولكني أراه مريح لدرجة الاتساع السرمدي..هذا ما يهم، أما العالم بمفهومه الواسع وأن يحمل المرء قضايا الآخرين على عاتقه أو أن يفني عمره في سبيل بعض القضايا ..فاستهلاك للنفس، يقول عز الدين شكري فشير: "لا قضية تستحق أن يموت المرء لأجلها".. وبعد أن تجاوزت حماسة الشباب الهوجاء وأنا في عز شبابي كمثل كثيرين من أبناء جيلي الذين كبروا سنوات عدة في سنوات قصيرة تلاحقت فيها الأحداث وانهار فيه كم هائل من القناعات والنماذج، وامتزجت فيه الهزائم الشخصية بالعامة ..بإمكاني أن أتمتم خلف فشير: صدقت..لاقضية تستحق.

من المهم أن يختار المرء معاركه بعناية سواء أكان ذلك على المستوى العام أو الشخصي، أما الحماسة المفرطة التي تقود للتورط والانخراط مع كل القضايا والموضوعات فلا تنتهي إلا بخيبات مدوية، وطاقة يكتشف المرء في النهاية أنها أُهدرت فيما لايستحق، ولا يعني ذلك ألا يختار المرء سوي المعارك المحسومة بالفوز فحسب ليخوضها، وإنما فقط أن يتمتع بحس انتقائي لما يستحق تبديد الوقت والجهد لأجله، وإن انتهى الأمر بخسارة حينها، فإن النضال والمحاولة هما الانتصار، بغض النظر عن النتيجة الكلية للمعركة.

ووسط معارك الحياة، لم أعد اهتز بفعل الشعارات البراقة .. ولا بنداءات لعالم أجمل وأنقي يتسع لضم شمل الجميع ..بلا حروب..بلا نزاعات، بت أري الاعتقاد باستحالة تحقيق ذلك درجة عالية من الاتساق مع النفس ومن الواقعية.. لا درب من الاحباط والتشاؤم، أظن المتشائم ليس مقابلاً للحالم، وإنما الواقعي هو الضد المقبول في نظري.

 إذن فلتتركني قضايا العالم وشأني، فليذهب الشأن العام والاهتمام به للجحيم، فليذهب الأمل في مدينة فاضلة تضمنا للجحيم، فليتركني العالم وأحبابي فقط وشأننا، فليلغي بيننا المسافات.. فليجمعنا سويًا لنتشارك همومنا، ونتبادل النكات سخريةً على أحوالنا، فليتركنا نخطط سويًا لنزهات قصيرة بصفة دورية نترك فيها مصاعب  الحياة جانبًا ونعيد شحن أنفسنا بوجودنا معًا ، أو يتركنا ننعم بجلسات هادئة نتبادل فيها أطراف الحديث ونحن نشرب شاي العصاري، فلتسمح لنا فقط الدنيا بالائتناس بالأحبة وسط الصراعات التي تملؤها، ثم فليذهب كل شيء بعد ذلك للجحيم؛ لأن لا شيء بعد ذلك يهم.. لأن العالم مكان مقبض ومخيف، وبلا مَن يألفهم القلب تزداد وحشته وقتامته، لأن كل القضايا الكبرى هراء، ولأننا عناصر ضئيلة جدًا جدًا في عالم يسير وفق سيناريوهات تغلبها المصالح وما هو أعقد من أن تستوعبه عقولنا المحدودة. 

أحبابي وأوقاتي مع مَن يشبهونني هم يوتوبيا بالنسبة لي، وإن كان من المستحيل خلق عالم كبير مثالي، فإن العالم بكل صراعاته وتضارب النفوذ فيه فقط مع وصْل أحبابي مثالي بما يكفي، على الأقل سندير حينها صراعاتنا ضد العالم معًا، هذا فقط ما يهمني.. هذه فقط هي يوتوبيا في نظري..ثم ليذهب بعد ذلك كل شيء للجحيم، فإن كانت المدينة الفاضلة يستحيل وجودها على الأرض، فيكيفيني قرب أحبابي ممن أشعر معهم بأن أي مكان أفضل من أفضل مدينة.

السبت، 31 مارس 2018

قضية عم أحمد


في كل مرة أفعلها أتخيل نفسي في موقف موازي لذلك المشهد من فيلم رسائل البحر، حينما كان آسر ياسين يظل واقفًا تحت تلك النافذة هائمًا مع العزف المنبعث منها.. لم ير أبدًا مَن يعزف، ولم يهتم بأن يراه، فقط كان ينتظر العزف، ثم في تبتُّل وخشوع يقف للاستماع مُحلِّقًا بقلبه في عالم آخر تخلقه الموسيقى.
أنا أيضا أقف بخشوع وتبتُّل  وأنا استمع لتلك الأنامل الصغيرة التي لم أرَ صاحبها قط، يأتيتي الصوت منطلقًا من المدرسة الابتدائية التي أسكن إلى جوارها.. فيذوب قلبي.



طالما استيقظت على أصوات مُنبعثة من تلك المدرسة، تلاصق غرفتي فصولها دون رؤية واضحة للفصول، لكن الصوت يأتيني كما لو كنت تلميذة بها.
استيقظ  دومًا على صوت التلاميذ وهم يصيحون بحماسة بالغة: "وعليكم السلااااام ورحمة الله وبركاته يا ميس إيماااااان" .. يرددونها بذلك  اللحن المميز للجملة في كل المدارس المصرية، فأّسب في سري نظام التعليم المصري بأكمله، بعد أن استيقظت - من نوم يصعب استغراقي فيه- في فزع.


لا أعرف لما استيقظ على حصة ميس إيمان تحديدًا، انشغل ذهني بالأمر، حتى أنني قضيت أحدى ليالي الأرق أفكر في الأمر جديًا، لماذا يعلو صوت الطلاب دومًا في حصة ميس إيمان دون غيرها؟ لماذا لا استيقظ على صوت التلاميذ في طابور الصباح مثلاً، وهو يجمع طلاب المدرسة جميعهم وبالتالي - وبالمنطق- فلابد أن يكون صوتهم أعلى من صوت طلاب فصل ميس إيمان؟ لماذا أصلاً يوقعنا الحظ في السكن إلي جوار طلاب مدرسة استيقظ فزعة بسببهم؟.. ثم تبخرت الأسئلة حين غلبني النوم قبل أن أهتدي لإجابة مريحة.

صحيح إنه في بداية انتقالنا للسكن في هذه الشقة كانت ضوضاء تلاميذ المدرسة تسبب لي بعض القلق، إلا أنني الآن صرت آلف الأمر..آلف صوت التلامذة الجهوري، وصوت حفلاتهم الصاخبة وضجيجهم المزعج، ربما يتشابه الأمر مع ما يُقره علم النفس بأن علاقة ألفة من نوع ما تنشأ مع الوقت بين الخاطف والضحية، وهم قطعًا يخطفون مني النوم. 

ميس إيمان؟ استقر في ذهني أن الطلاب إما يحبونها جدًا فيستقبلونها بحماس، وإما يخافونها جدًا فيستقبلونها بحماس، فلم أعاود التفكير في الأمر مرة ثانية. 


صارت كل ضوضاء المدرسة مألوفة، حفل عيد الطفولة.. وحفل يوم اليتيم.. وتلك الحفلات التي تجعلني اتسائل في دهشة: "هو النهاردة عيد إيه؟" ولم أعرف أبدًا، إلى أن توقفت عن التساؤل،  "هي حفلة في المدرسة وخلاص"..اعتدت الأمر،  آلفت كل الضوضاء المنبعثة من ذلك المبنى، ومع التعود تبدو الأشياء المزعجة أقل إزعاجًا بعكس انتفاضة المرء منها في المرة الأولى.

 تعودت فحسب على تلك الأصوات، لكن صوت واحد فقط  كنت أحبه ..لا آلفه بفعل التعود، وإنما أحبه بالفعل، صوت أنامل صغيرة تدق على الأكسليفون مقطوعة قضية عم أحمد لعمر خيرت، ربما عازف صغير.. أو عازفة صغيرة، لا أعرف..لم أرَ، ولم أهتم بأن أرى، فقط أهرع إلى البلكونة الصغيرة في غرفتي، التي تجعلنى أقرب ما يكون من المدرسة، واستمع..استمع بتبتُّل وخشوع، ويحلِّق قلبي بعيدًا في عالم سحري يتشكل مع ضربات الأكسليفون، يأخذني الصوت تارة لأيام ابتدائي حيث تعلمت لفترة العزف على الأكسليفون، فاسترجع مع العزف الصورة ..تلك الصورة من الزمن البعيد، أراني بيونيفورم المدرسة..اسمع ضوضاء "حوش" مدرستي، وأرى أصدقاء الطفولة ومستر أيمن عازف الموسيقى وهو يدربني على العزف، وتارة أخري تأخذني دقات الأكسليفون لتخيل أنني أحضر حفل موسيقي ضخم في مسرح مهيب..اتصور ماذا سأرتدي، ومَن سيصحبني..وكيف ستكون أجواء الحفل، ابدأ في التمايل من فرط الذوبان مع الموسيقى.. ومن فرط التخيل.


انتظر العزف الذي يأتيني على مر أسابيع متقطعة، فأهرول إلى البلكونة استمع في بهجة طفولية حمقاء، نفس المقطوعة في كل مرة: قضية عم أحمد، نفس دقات الأكسليفون..نفس الجزء من المقطوعة..ثم صمت،  لا أحد يصفق..لا تصفيق يصاحب العزف..ولا تصفيق يشجع بعده، في كل مرة تُعزَف المقطوعة، تكن لي نفس الملاحظة: لا تصفيق!


هذا عزف تلميذ أو تلميذة لا جدال، لا يمكن أن يكون لأستاذ الموسيقى مثلاً، تلك الدقات المرتبكة التي تتعثر أحيانًا فتفقد اللحن ثم تستعيده - تخبرني أنها دقات طفل بلا شك، لكنها دقات جميلة، طفل يحاول أن يجد طريقه للحن صحيح، هل تعرفين يا صغيرتي أو يا صغيري أن تلك المحاولات الممتدة على مدار أسابيع.. جميلة؟ وأن تلك الدقات المرتبكة تسرق قلبي؟ هل تعرف الصغيرة أو يعرف صديقي الصغير أن عزفه منفردًا دون تصفيق، أمر سيواجهه معظم الوقت، لا في المدرسة الابتدائية فحسب؟، وأن الشك في تمكُّنه من العزف أساسًا سيتجاوز جدران الفصل وجدران المدرسة ويصاحبه على طول الطريق وفي أمور أكبر من العزف؟ وأنه سيحتاج من وقت لآخر إلى تصفيق يطمئنه أنه قد أجاد ليواصل العزف واثقًا في نفسه وفي جدوى عزفه؟




لذلك فقط وددت لو يعلم مَن يعزف أنني أصفق..أصفق بحرارة في كل مرة أستمع فيها لذلك العزف الجميل حتى في ارتباكه، وودت فقط لو يصل التصفيق إلى ذلك القلب الصغير، كما وصل العزف إلى قلبي فجعله يتسع الكون مع كل  دقة إكسيليفون. 




الجمعة، 2 مارس 2018

الخيط الرفيع *

(1)
تنشر صديقتي على حسابها الشخصي بموقع فيس بوك تدوينة بديعة، ذات أسلوب رائع في سرد تفاصيل وقوف فتاة فى المطبخ في إحدى الصباحات، ثم بعض التفاصيل التي تعكس شيء من ارتباك الفتاة الحياتي، اسقطت تفاصيل ارتباكها على ما يحيطها في المطبخ لتدمج الخاص بالعام، فأسرت قلبي بأسلوب يلمس بتفاصيله نقطة ما في أعماق القلب، تَرَكت تعليق يشيد بالتدوينة، فأرسلت  صديقتي رسالة تخبرني فيها أنها مترددة في إتاحة التدوينة لكل الأصدقاء على حسابها، استفسرت عن السبب، فاستطردت قائلة: " خايفة.. مابحبش حد يشوفني من جوة"، تعجبت حينها من خوفها الذي أفهمه جيدًا، ذلك الخوف الذي يسكننا جميعًا - باختلاف درجته- لأن يظل شىء ما في نفوسنا غير مرئي للغير، يخصنا وحدنا ولا يقربه أحد، وللعجب فإن تلك الرغبة يوازيها تمني لو بالإمكان أن نفصح عن ذلك الجزء غير المرئي للجميع لنكسر ذلك الحاجز بين مَن نكونه، ومَن نظهر به للعالم، ربما لذلك قيل أن رغبتنا في الاختفاء ما هي إلا رغبة فى أن يعثر علينا أحد، وربما لذلك أيضًا قيل أن في باطن كل شخص تعرفه، شخص لا تعرفه.



(2)
تقودني الصدفة لدردشة حميمية مع أستاذتي التي تكبرني بحوالي عشرين عامًا، ثم تقودني صدفة أخرى لاكتشاف أنها تهوى الكتابة، لكنها توقفت عنها منذ سنوات طويلة، رجوتها بأن تُطلعني على بعض مما كتبت، فتمنعت بخجل في البداية، ثم امتثلت لرغبتي في النهاية فجلبت لي بعض من كتابات الصبا في جلسة حميمية تالية، أبهرني إحساسها الرقيق على الورق، والذي يخالف ما تبدو عليه من جدية مفرطة في الواقع، أو ربما يحتاج لمن يراها بعين مختلفة في الواقع ليصل لذلك الشخص الرقيق في داخلها.. الحساس جدًا.

أسألها كيف لكِ أن تتوقفي عن الكتابة؟ تجيبني بشيء من الشجن: "بقى صعب أطّلع مشاعري"، ثم أسألها عن رأيها في بعض ما كتبته وأطلعت هي عليه فتجيبني بأن كتاباتي راقت لها؛ لأن مشاعري فيها متزنة، أخبرتني أن مشاعري حاضرة فيما أكتب، لكنه حضور "محكوم" أو ما وصفته بـــ "ماسكة مشاعرك كويس"، لأفكر بعدها هل أراوغ مشاعري كي لا تظهر صراحةً فيما أكتب؟ .. هل أسير أنا أيضًا على نهج أستاذتي: " صعب عليا أطّلع مشاعري"؟، هل يتطابق الأمر مع ما كتبه أحد الأشخاص يومًا بأن لكل شيء في الحياة "ديد لاين" بما فيها المشاعر والأحلام، ولذا بات من الصعب على أستاذتي التعاطي مع ما تشعر به كتابةً؟ ترى هل ينتهى تحفظنا في الكشف عن ذواتنا الحقيقية بمشاعرها وأفكارها وخواطرها إلى فوات "الديدلاين" ومن ثم فوات القدرة على أن يكون ظاهرنا كما باطننا؟ أو فوات فرص حقيقية تذهب بلا رجعة لأن وقتها قد فات، مهما كانت جميلة وصادقة ككتابات أستاذتي، وقياسًا عليها كل ما هو جميل وصادق نحرص على إخفاءه؟.



(3)
أتوقف كل مرة أشاهد فيها فيلم   "The shawshank redemption" عند ذلك المشهد البديع الذي ينتحر فيه ذلك العجوز بعدما خرج من السجن الذى قضى فيه عمرًا طويلاً، حتى استحالت عليه الحياة خارج أسواره فيقرر الانتحار، لكنه قبل أن ينتحر قرر أن يكتب على سقف غرفته:  Brooks was here،  أراد فقط قبل انتحاره أن يخبر العالم أنه مّرّ من هنا.

أتصور في كل مرة أرى فيها ذلك المشهد أن الكتابة وسيلة لتعريف العالم بنا، وأن التصريح بمشاعرنا كالكتابة، وسيلة لنخبر بها العالم عما مرّ بقلوبنا، وكذلك وسيلة لنخبر بها البعض أنهم قد مروا بقلوبنا، وكما أن الكتابة يصعب فيها أحيانًا التصريح مباشرةً عما نشعر به، فكذلك المشاعر يصعب علينا كشف الغطاء عنها، لتبقى في النهاية مرة استجمعنا فيها قدرتنا على التصريح عن ذواتنا بدواخلها.. أو عن مشاعرنا، شاهدًا على أننا مررنا من ذلك العالم، وعن شخصياتنا التي نخفيها.
غريب جدًا أن كل ما نخفيه يكون له اليد العليا في كل ما نظهره، ربما لذلك تكون تصرفاتنا  غير مبررة للغير؛ لأنهم يفسرون في ضوء الظاهر، بينما التفسير الحق يتمحور حول ما نُخفيه.



(4)
راسلتني صديقتي في المساء بنبرة سعيدة أكاد أسمعها عبر حروف الكيبورد، لتخبرني بأنها قد نشرت التدوينة للعامة "Public"، وأن ردود الفعل حول ما كتبت أبهجتها للغاية، لمست بهجتها بالفعل فيما فعلته صباح اليوم التالي، حيث راسلتني على غير العادة برسالة تنُّم عن تصالح مؤقت أبرمته صديقتي مع العالم بعد أن واجهته بشىء من شجاعة التصريح عن نفسها، فأرسلت لي: " صباح الفل".
جعلتني تلك الرسالة غير المألوفة من صديقتي أفكر في أنه قد يفصلنا عن التصالح مع العالم  تخطي حواجز خوفنا الوهمية، وبعض الشجاعة في ألا نُلجِّم مشاعرنا حتى وإن بدا ذلك أسلم، أو أن  ننجح في تمييز ذلك الخيط الرفيع الذى يفصل بين ذواتنا الحقيقية التي نحتفظ بها داخلنا، وما أخترنا أن يظهر منها للغير، ربما حينها  فقط نستيقظ مستقبلين العالم بصدور مفتوحة مرددين: صباح الفل.
 ولا أظن ذلك سهلاً على أي حال.


* عنوان التدوينة مقتبس من رواية لإحسان عبدالقدوس .


الأحد، 11 فبراير 2018

ما بعد الفقد



يُخَّيل لي أحيانًا أن الحياة سلسلة متوالية من الفقد، يتوسطها فقط أوقات من امتلاك ما نرغب وحيازة الأحلام، أو على الأقل أوقات عادية دون خسارة. 

مَن لم يختبر شعور الفقد، مهما عظم المفقود أو صغر شأنه؟، ثم إنه في الفقد ليس ثمة عظيم وصغير الشأن، صحيح إن الفقد مراتب والوجع درجات، لكن ثمة ألم في كل تجارب الفقد عظمت أو سفهت في عيون الغير، وليس بإمكان أي شخص أن يُصنِّف لنا ما ينبغي الحزن عليه وما لايستحق شعورنا بالألم حياله.

أن يفقد الإنسان..فذلك جزء طبيعي من اكتمال تجربته على الأرض، والفقد معنى شاسع يتسع للأشياء والفرص والأشخاص، يتسع للمرض والموت والعلاقات منتهية الصلاحية، ولكن إن كان لا محالة من معاصرة المرء لتجربة الفقد في حياته، فماذا بعد.. ماذا بعد الفقد؟


يعد الإدراك جزء أساسي من تخطي أي أزمة، أي أن "يعي" المرء أنه قد فقد، وأن شيئًا أو شخصًا أو فرصة قد انتهت قصتهم من حياته وللأبد، أن يواجه فكرة الخسارة ولا ينكرها، ثم يعايش الحزن كليًا، حتي يتطهر من الألم كليًا حينما يحين موعد زواله.

مخطيء مَن يتصور أن إنكار الفقد قد يساعد المرء على التجاوز؛ لأن الإنكار ما هو إلا تأجيل لموعد الانفجار لا أكثر، وبالتالي فإن منازلة الخسارة وجهًا لوجه بتقَبُّلها مرحلة أولى في التجاوز، على أن يعقبها الاقتناع بأن الضعف الإنساني من وسائل التطهير ولا ينتقص من أي شخص، ألا يغالب المرء ضعفه..أن يبكي.. أن ينهار لبعض الوقت، كل وسائل التنفيس عن المشاعر السلبية دواء، تغَّنى بذات المعنى محمد رحيم قائلا: "واشعر ساعات إن البكا غيمة..ينزل مطر ويطهر الإنسان"، يبقي فقط المهم في النهاية أن يختار المرء بعناية من يتعرى أمامهم من قوته الزائفة ويشاركهم ضعفه، أما التحول لضحية تبكي حظها ليل نهار ظنًا بأن ذلك هو التنفيس الطبيعي عن المشاعر السلبية فأمر بائس للغاية ومثير للشفقة، من المهم أن يبقى الحزن نبيلاً..غير ملوث بشحذ عطف الغير، وللحزن النبيل هيبة وجلال، ليس من ضمنهما أن يتقمص المرء دور الضحية   استجداءً لمشاعر الآخرين.


وفيما بعد الفقد، فإنه من المهم أن يكون الاستسلام للحزن بقْدر، بحيث ينتشل المرء نفسه من الاستغراق فيه لفترة أطول مما ينبغي، فيدفع نفسه دفعًا لمحاولة الانخراط مع الغير، أن يُكره نفسه على الذوبان وسط المجتمع ومعاودة روتينه المعهود، حتى يستعيد نفسه وتستعيده، والأهم ألا يتصور المرء إنْ وجد نفسه قد تخفف من الحزن بعض الشيء أنه بذلك قد أساء لذكرى المفقود، أو أنه ارتكب خيانة من نوع ما، خيانة القدرة على مزاولة الحياة في الوقت الذي ينبغي أن تتوقف فيه الحياة حدادً على ما فقد، قد يكون ذلك من أكثر المشاعر المُركَّبة التي قد يصادفها مَن فقد، ويسيء تفسيرها المحيطون، لكن القدرة على التخفف من الحزن مع عِظَم المفقود لا تعد خيانة، وإنما هي من أوجه رحمة الله بعباده، أن نتخفف من الحزن، هو تخفيف إلهي يلهمه الله للقلوب الملكومة.


وبعد الإدراك، وعدم مغالبة الحزن، والتنفيس عن المشاعر، فتأتي مرحلة برمجة العقل على أن ذاك الشعور المقبض سيزول.. وأن تلك المرحلة ثقيلة الوقع ستمضي، سيتلاشى الحزن ويصغر، أو بالأحرى سيتراجع إلى مكان قصي في القلب، وستمضي الحياة رغمًا عن أكبر الخسارات، وفي ذلك عزاء وسلوى للقلوب المُنهكة، وفيه انعكاس واضح للطف الله الخفي، يبتلي ويخفف، ويرزقنا النسيان..يرزقنا نعمة البدء من جديد عقب كل فقد مهما كان حجم الفاجعة، أن يبرمج المرء عقله  بكثرة ترديده ذلك على نفسه، على طريقة صلاح چاهين: "هتنتهي ولا بد راح تنتهي، مش انتهت أحزان كتير قبلها؟" 


أما أجمل ما قد يساعد المرء فيما بعد الفقد، فهو أن يرزقه القدر مَن يتقبل خفوت نجمه وانطفاءه، مَن يحيطه بعناية، مَن يتخذ سبيلاً بين ترك مساحة شخصية للحزن، والإصرار على عدم ترك الفاقد يتوحد مع نفسه في مساحته الشخصية للحزن، فيوازن بين ذلك وذاك.

 من مِنَح المِحن أن يرزق الله الفاقد مَن يجيد الحضور وقت الفقد، فيصبر عليه ويتحمل تقلباته النفسية مع الإصرار على إحاطته بالدعم وإن تمنَّع، مَن يتحمله وهو نصف  من كل شىء: نصف تركيز..نصف طاقة.. نصف قدرة على الكلام.. نصف وِد..نصف ما هو معهود فيه في كل شىء، أو للدقة  أقل من النصف ..أقل من كل معدلاته المعهودة، فثمة أثر جميل في النفس لأن يلمس المرء الإصرار عليه في أشد أوقاته ذبولاً، وكما يُقال إن الرغبة في الاختفاء ما هي إلا رغبة في أن يتم العثور عليك، فأظن أن الأمر ذاته ينطبق في حالة الفقد، فالرغبة في انعزال الناس حينها، ما هي في حقيقتها إلا تمني ألا يتركنا مَن يألفهم القلب ننازع خسارتنا فرادى، فيقتسمون الألم معنا بوجودهم إلى جانبنا فحسب، الوجود النابع من رغبة حقيقية في مشاركتنا أوجاعنا، لا من مجرد تسديد لواجبات اجتماعية  مع الأخذ في الاعتبار أن حاجة المرء للاهتمام والدعم المعنوي تتضاعف فيما بعد الفقد، على طريقة ذلك المشهد الشهير بأحد الأفلام الأجنبية: " هل بإمكانك أن تحبني أكثر اليوم؛ لأنني لست على ما يرام؟.


الاثنين، 29 يناير 2018

سيدتي الجميلة

لم يكن يومًا رابط الدم كافيًا لأن تُحب مَن تجمعك به صلة قرابة، ربما يمكن له فقط أن يُبقي شيء من الود في قلبك للأقارب، أما أن "تحب" قريب ملء فؤادك..فلا يمكن أبدًا حصر السبب في رابط الدم فحسب.. للحب دومًا أسباب أخرى، وهي دومًا تسمو فوق كل الأسباب.


جدتي.. أجمل نساء الأرض في نظري، وصفها الأقرب دومًا لقلبي، والأقرب للتعريف بها في كلمة من بضعة حروف: جميلة. 


أراقب نفسي على مدار ثلاثة أيام مرت على رحيلها، فأجدني أختم كل جملة حديث عنها بتلك العبارة: "كانت جميلة"، ثم اندهش من وقع كلمة "كانت" .

 مُخطىء مَن يظن أن جمال المرأة محصورًا في السمات الشكلية، صحيح أن الشكل شطرًا من الجمال، لكنه مجرد جزء صغير منه، ومَن يراه الجزء الأكبر فقد فاتته حكمة تذوق معنى الجمال والإحساس به، ومَن لم يعرفها ..مَن لم يعرف جدتي.. فأظنه لن يهتدي يومًا لفهم المقصود بامرأة جميلة.

 ربما اتفهم أن يبالغ شخص في وصف جدته أو أمه بأنها الأعظم على الإطلاق؛ لأن في قلب كل أم سحر.. عاطفة عجيبة يهبها الله إياها فتجعلها قطعًا الأعظم في عين أبنائها.. الأمومة هي الصخرة التي تنكسر عندها أنانية الأنثى، ويولد عندها مع صغارها معنى الإيثار وإنكار الذات، لذا فالعظمة قرين منطقي للأمومة، ولذا تتسع اللغة لتحتمل وصف كل أم بصيغة التفضيل، وهي كانت قطعًا عظيمة، لكن العظمة على قدر مبالغة التوصيف لا تنصفها، تبدو الكلمة فقيرة أمامها، جدتي كانت عظيمة بلا شك، لكن توصيفها بالجميلة محبب إلى نفسي أكثر؛ إذ يعكس إنسانيتها، وشخصيتها الخَيَّرة..المُحبة للغير.. الجمال يحتوي صفاتها أكثر، ويليق بها.


أكتب عنها اليوم لا لأرثيها، ولا ليتحول الأمر لتدوينة بكائيات، فالموت رغم قسوته يظل بابًا مؤكد مرورنا جميعًا منه، صحيح أن سيدة كجدتي تُدمَى القلوب لرحيلها؛ لأنها حالة..حدث استثنائي فريد لا تصادفه في العمر إلا مرة واحدة، لكن أيضًا سيدة كجدتي تستحق أن يُغالب المرء حزنه، ويستجمع ذهنه للتوثيق عنها، أو ربما لتوثيق إحساسه تجاهها في هذا الوقت، وإن كان في الحزن انفعال..ففي الحزن صدق خالص، يصعب تزييفه، لذا سأكتب عنها في أوج حزني، لكني سأُنحِّي مواقفًا تمتد بطول عمري الذي عاشرتها فيها جانبًا؛ تجنبًا لتأثيرها في نفسي حتى لا يطفو الحزن على سطح القلب أكثر من ذلك، واكتفي بتوصيفها بعمومية شديدة، في كتابة أحاول أن تكون هادئة قدر الإمكان، وبتماسك أتمنى ألا يكون زائفًا، أكتب لأخبر كل من تصادف عيناه تلك السطور عن سيدة جميلة، ربما نعيد معًا تعريف الجمال من خلالها.

سيدة لم تتجاوز في تعليمها الصف الرابع الإبتدائي، تجيد القراءة بشيء من الصعوبة، لكن رصيدها مما تذكره من المدرسة يُعينها على قراءة القرآن في ذلك المصحف الكبير المناسب لضِعاف البصر، تلملم الحروف بصعوبة وهي مُنكَبة على المصحف لتتمكن من رؤية كلمات الذِكْر الرباني، تتعثر في نطق بعض الكلمات.. أساعدها.. فتبتسم.. أقرأ فتردد خلفي، لا تخجل من خطأ..أو من صغير يرشدها، أتحول في دقائق لمعلم وهي لتلميذ، نتبادل الأدوار في إنسيابية شديدة..لتهديني لحظات جميلة الأثر في نفسي بقراءة أحب الكلام مع أحب الناس.

(الجمال عدم مكابرة). 



بقدر ضئيل من التعليم كانت تجاوز في لباقة تصرفاتها، وفي التزامها بما يمكن تسميته بــ " الأصول"- مَن يمتلك أعلى الشهادات وقد لا يمتلك من الأخلاق نصيبًا كافيًا، كانت هي أول مَن أثبت لي الفكرة: لا منصب ..ولا مستوى اجتماعي..ولا شهادة تعليمية دليل على رقي شخص. 

(الجمال تهذيب.. ومعاملة الغير بنُبل).


ذات حضور خفيف..لا تُثقل أبدًا على أي شخص مهما كان قريبًا منها، غير مُتطلِبة، وإن اضطرت..فتطلب بتهذيب بالغ، وتحذر من أن تمثل عبئًا على الآخرين، وإن أجيب طلبها فتشكر وتُقدِّر، بإمكانها شكرك على أصغر ما تقدم بامتنان حقيقي غير مصطنع، لتشعرك بأنك جلبت العالم كله وقدمته لها، فتتمنى بالفعل لو بإمكانك جلب العالم كله وتقديمه لها،  مترفعة عن الزج بنفسها فيما لا يعنيها، تترك لكل شخص مساحته الخاصة لإدارة حياته حسبما يشاء، فلا تطارد بأسئلة، ولا تتبع بفضول، تترفع عن مطاردة الغير لاستكشاف خصوصيتهم. 

(الجمال عزة نفس..وتعزيز للنفس).


رقيقة المشاعر.. حلوة اللسان، تنْظم من الكلام العادي شعرًا، هكذا كنت أحسب دعواتها دوما..شعر: "أجيبلك حاجة يا تيتا/ يجيبلك الهنا والسعد"، " عايزة حاجة يا تيتا/ أعوزك طيبة"، أما إن قَّبْلت يديها فتهديني جملتها العذبة: "باستك العافية". 

(الجمال.. لين القول).


متسامحة.. تضع لأحبابها من الأعذار أطنانًا إن غابوا عنها لبعض الوقت..ثم تضع من محبتها أطنانًا إن عادوا وتنسى الغياب، لم تعتبر نفسها يومًا محور الكون، الآخرون وظروفهم دومًا نصب أعينها.

(الجمال إحساس بالغير..وتقديرًا لظروفهم).


تجيد التدبير في أي ظرف، لكنها دومًا يقظة لأن احتمالات الغد قد تتضمن بعض القسوة فتستعد..وتدبر، وتخطط، حتى إذا أتى الغد قاسيًا وجدها متأهبة.. وقادرة على مواجهة رياح التغيير .

(الجمال ذكاء ومرونة).


رحلت الجميلة .. 
فانتفى عن عالمي معنى الجمال وكأن لوحة ملونة سُحِبت ألوانها وصارت بالأبيض والأسود فجأة، لكن أثرها الجميل سيمتد فينا.. أعلم ذلك جيدًا، وسأستعيد مع الوقت ألوان لوحتي بذكراها الطيبة في قلبي. 

رحلت ذات المكانة المتفردة في قلبي، رحيل جميل مثلها..تمامًا كما تمنت، دون أن ترهقها الشيخوخة، وهي قادرة على خدمة نفسها لأخر لحظة..وهي في وعي وذهن حاضر لآخر لحظة.. رحلت بهدوء وهي نائمة في انتظار أن تستيقظ لصلاة الفجر.. ليلة جمعة.. مطمئنة لأن أمي- ابنتها- نائمة بجوارها..رحلت رحيلاً جميلاً، فكان ذلك عزائنا وسلوانا. 

بكاها الصغار قبل الكبار، بدموع صادقة وحزن حقيقي، نابعًا من قلوب بريئة لا من تأثر بأجواء  قاتمة تحيطهم، بكاها أزواج بناتها بكاء ابن على أمه، فتعرفت ببكائهم عليها مرة أخرى، وعلى شطر جديد من جمالها: الجمال رحمة بالآخرين،صغير.. وغريب، الجمال قلب طيب لا ينطوي على ضغينة، الجمال أن تهدي الآخرين الحب بحُسن المعاملة، فتسترده حبًا بحُسن السيرة وبذكرى طيبة في القلوب.


صحيح أن الجمال لا يمكن توثيقه تمام التوثيق، حتى وإن اجتهدت شتى فنون الكتابة في ذلك، لكن جملة واحدة قد تكسر القاعدة وتوثق لجمال العالم أجمع..جملة واحدة  تختصر جمال العالم بتبسيط غير مُخِّل: "جدتي.. سميحة عبد الرحمن".