السبت، 31 مارس 2018

قضية عم أحمد


في كل مرة أفعلها أتخيل نفسي في موقف موازي لذلك المشهد من فيلم رسائل البحر، حينما كان آسر ياسين يظل واقفًا تحت تلك النافذة هائمًا مع العزف المنبعث منها.. لم ير أبدًا مَن يعزف، ولم يهتم بأن يراه، فقط كان ينتظر العزف، ثم في تبتُّل وخشوع يقف للاستماع مُحلِّقًا بقلبه في عالم آخر تخلقه الموسيقى.
أنا أيضا أقف بخشوع وتبتُّل  وأنا استمع لتلك الأنامل الصغيرة التي لم أرَ صاحبها قط، يأتيتي الصوت منطلقًا من المدرسة الابتدائية التي أسكن إلى جوارها.. فيذوب قلبي.



طالما استيقظت على أصوات مُنبعثة من تلك المدرسة، تلاصق غرفتي فصولها دون رؤية واضحة للفصول، لكن الصوت يأتيني كما لو كنت تلميذة بها.
استيقظ  دومًا على صوت التلاميذ وهم يصيحون بحماسة بالغة: "وعليكم السلااااام ورحمة الله وبركاته يا ميس إيماااااان" .. يرددونها بذلك  اللحن المميز للجملة في كل المدارس المصرية، فأّسب في سري نظام التعليم المصري بأكمله، بعد أن استيقظت - من نوم يصعب استغراقي فيه- في فزع.


لا أعرف لما استيقظ على حصة ميس إيمان تحديدًا، انشغل ذهني بالأمر، حتى أنني قضيت أحدى ليالي الأرق أفكر في الأمر جديًا، لماذا يعلو صوت الطلاب دومًا في حصة ميس إيمان دون غيرها؟ لماذا لا استيقظ على صوت التلاميذ في طابور الصباح مثلاً، وهو يجمع طلاب المدرسة جميعهم وبالتالي - وبالمنطق- فلابد أن يكون صوتهم أعلى من صوت طلاب فصل ميس إيمان؟ لماذا أصلاً يوقعنا الحظ في السكن إلي جوار طلاب مدرسة استيقظ فزعة بسببهم؟.. ثم تبخرت الأسئلة حين غلبني النوم قبل أن أهتدي لإجابة مريحة.

صحيح إنه في بداية انتقالنا للسكن في هذه الشقة كانت ضوضاء تلاميذ المدرسة تسبب لي بعض القلق، إلا أنني الآن صرت آلف الأمر..آلف صوت التلامذة الجهوري، وصوت حفلاتهم الصاخبة وضجيجهم المزعج، ربما يتشابه الأمر مع ما يُقره علم النفس بأن علاقة ألفة من نوع ما تنشأ مع الوقت بين الخاطف والضحية، وهم قطعًا يخطفون مني النوم. 

ميس إيمان؟ استقر في ذهني أن الطلاب إما يحبونها جدًا فيستقبلونها بحماس، وإما يخافونها جدًا فيستقبلونها بحماس، فلم أعاود التفكير في الأمر مرة ثانية. 


صارت كل ضوضاء المدرسة مألوفة، حفل عيد الطفولة.. وحفل يوم اليتيم.. وتلك الحفلات التي تجعلني اتسائل في دهشة: "هو النهاردة عيد إيه؟" ولم أعرف أبدًا، إلى أن توقفت عن التساؤل،  "هي حفلة في المدرسة وخلاص"..اعتدت الأمر،  آلفت كل الضوضاء المنبعثة من ذلك المبنى، ومع التعود تبدو الأشياء المزعجة أقل إزعاجًا بعكس انتفاضة المرء منها في المرة الأولى.

 تعودت فحسب على تلك الأصوات، لكن صوت واحد فقط  كنت أحبه ..لا آلفه بفعل التعود، وإنما أحبه بالفعل، صوت أنامل صغيرة تدق على الأكسليفون مقطوعة قضية عم أحمد لعمر خيرت، ربما عازف صغير.. أو عازفة صغيرة، لا أعرف..لم أرَ، ولم أهتم بأن أرى، فقط أهرع إلى البلكونة الصغيرة في غرفتي، التي تجعلنى أقرب ما يكون من المدرسة، واستمع..استمع بتبتُّل وخشوع، ويحلِّق قلبي بعيدًا في عالم سحري يتشكل مع ضربات الأكسليفون، يأخذني الصوت تارة لأيام ابتدائي حيث تعلمت لفترة العزف على الأكسليفون، فاسترجع مع العزف الصورة ..تلك الصورة من الزمن البعيد، أراني بيونيفورم المدرسة..اسمع ضوضاء "حوش" مدرستي، وأرى أصدقاء الطفولة ومستر أيمن عازف الموسيقى وهو يدربني على العزف، وتارة أخري تأخذني دقات الأكسليفون لتخيل أنني أحضر حفل موسيقي ضخم في مسرح مهيب..اتصور ماذا سأرتدي، ومَن سيصحبني..وكيف ستكون أجواء الحفل، ابدأ في التمايل من فرط الذوبان مع الموسيقى.. ومن فرط التخيل.


انتظر العزف الذي يأتيني على مر أسابيع متقطعة، فأهرول إلى البلكونة استمع في بهجة طفولية حمقاء، نفس المقطوعة في كل مرة: قضية عم أحمد، نفس دقات الأكسليفون..نفس الجزء من المقطوعة..ثم صمت،  لا أحد يصفق..لا تصفيق يصاحب العزف..ولا تصفيق يشجع بعده، في كل مرة تُعزَف المقطوعة، تكن لي نفس الملاحظة: لا تصفيق!


هذا عزف تلميذ أو تلميذة لا جدال، لا يمكن أن يكون لأستاذ الموسيقى مثلاً، تلك الدقات المرتبكة التي تتعثر أحيانًا فتفقد اللحن ثم تستعيده - تخبرني أنها دقات طفل بلا شك، لكنها دقات جميلة، طفل يحاول أن يجد طريقه للحن صحيح، هل تعرفين يا صغيرتي أو يا صغيري أن تلك المحاولات الممتدة على مدار أسابيع.. جميلة؟ وأن تلك الدقات المرتبكة تسرق قلبي؟ هل تعرف الصغيرة أو يعرف صديقي الصغير أن عزفه منفردًا دون تصفيق، أمر سيواجهه معظم الوقت، لا في المدرسة الابتدائية فحسب؟، وأن الشك في تمكُّنه من العزف أساسًا سيتجاوز جدران الفصل وجدران المدرسة ويصاحبه على طول الطريق وفي أمور أكبر من العزف؟ وأنه سيحتاج من وقت لآخر إلى تصفيق يطمئنه أنه قد أجاد ليواصل العزف واثقًا في نفسه وفي جدوى عزفه؟




لذلك فقط وددت لو يعلم مَن يعزف أنني أصفق..أصفق بحرارة في كل مرة أستمع فيها لذلك العزف الجميل حتى في ارتباكه، وودت فقط لو يصل التصفيق إلى ذلك القلب الصغير، كما وصل العزف إلى قلبي فجعله يتسع الكون مع كل  دقة إكسيليفون. 




الجمعة، 2 مارس 2018

الخيط الرفيع *

(1)
تنشر صديقتي على حسابها الشخصي بموقع فيس بوك تدوينة بديعة، ذات أسلوب رائع في سرد تفاصيل وقوف فتاة فى المطبخ في إحدى الصباحات، ثم بعض التفاصيل التي تعكس شيء من ارتباك الفتاة الحياتي، اسقطت تفاصيل ارتباكها على ما يحيطها في المطبخ لتدمج الخاص بالعام، فأسرت قلبي بأسلوب يلمس بتفاصيله نقطة ما في أعماق القلب، تَرَكت تعليق يشيد بالتدوينة، فأرسلت  صديقتي رسالة تخبرني فيها أنها مترددة في إتاحة التدوينة لكل الأصدقاء على حسابها، استفسرت عن السبب، فاستطردت قائلة: " خايفة.. مابحبش حد يشوفني من جوة"، تعجبت حينها من خوفها الذي أفهمه جيدًا، ذلك الخوف الذي يسكننا جميعًا - باختلاف درجته- لأن يظل شىء ما في نفوسنا غير مرئي للغير، يخصنا وحدنا ولا يقربه أحد، وللعجب فإن تلك الرغبة يوازيها تمني لو بالإمكان أن نفصح عن ذلك الجزء غير المرئي للجميع لنكسر ذلك الحاجز بين مَن نكونه، ومَن نظهر به للعالم، ربما لذلك قيل أن رغبتنا في الاختفاء ما هي إلا رغبة فى أن يعثر علينا أحد، وربما لذلك أيضًا قيل أن في باطن كل شخص تعرفه، شخص لا تعرفه.



(2)
تقودني الصدفة لدردشة حميمية مع أستاذتي التي تكبرني بحوالي عشرين عامًا، ثم تقودني صدفة أخرى لاكتشاف أنها تهوى الكتابة، لكنها توقفت عنها منذ سنوات طويلة، رجوتها بأن تُطلعني على بعض مما كتبت، فتمنعت بخجل في البداية، ثم امتثلت لرغبتي في النهاية فجلبت لي بعض من كتابات الصبا في جلسة حميمية تالية، أبهرني إحساسها الرقيق على الورق، والذي يخالف ما تبدو عليه من جدية مفرطة في الواقع، أو ربما يحتاج لمن يراها بعين مختلفة في الواقع ليصل لذلك الشخص الرقيق في داخلها.. الحساس جدًا.

أسألها كيف لكِ أن تتوقفي عن الكتابة؟ تجيبني بشيء من الشجن: "بقى صعب أطّلع مشاعري"، ثم أسألها عن رأيها في بعض ما كتبته وأطلعت هي عليه فتجيبني بأن كتاباتي راقت لها؛ لأن مشاعري فيها متزنة، أخبرتني أن مشاعري حاضرة فيما أكتب، لكنه حضور "محكوم" أو ما وصفته بـــ "ماسكة مشاعرك كويس"، لأفكر بعدها هل أراوغ مشاعري كي لا تظهر صراحةً فيما أكتب؟ .. هل أسير أنا أيضًا على نهج أستاذتي: " صعب عليا أطّلع مشاعري"؟، هل يتطابق الأمر مع ما كتبه أحد الأشخاص يومًا بأن لكل شيء في الحياة "ديد لاين" بما فيها المشاعر والأحلام، ولذا بات من الصعب على أستاذتي التعاطي مع ما تشعر به كتابةً؟ ترى هل ينتهى تحفظنا في الكشف عن ذواتنا الحقيقية بمشاعرها وأفكارها وخواطرها إلى فوات "الديدلاين" ومن ثم فوات القدرة على أن يكون ظاهرنا كما باطننا؟ أو فوات فرص حقيقية تذهب بلا رجعة لأن وقتها قد فات، مهما كانت جميلة وصادقة ككتابات أستاذتي، وقياسًا عليها كل ما هو جميل وصادق نحرص على إخفاءه؟.



(3)
أتوقف كل مرة أشاهد فيها فيلم   "The shawshank redemption" عند ذلك المشهد البديع الذي ينتحر فيه ذلك العجوز بعدما خرج من السجن الذى قضى فيه عمرًا طويلاً، حتى استحالت عليه الحياة خارج أسواره فيقرر الانتحار، لكنه قبل أن ينتحر قرر أن يكتب على سقف غرفته:  Brooks was here،  أراد فقط قبل انتحاره أن يخبر العالم أنه مّرّ من هنا.

أتصور في كل مرة أرى فيها ذلك المشهد أن الكتابة وسيلة لتعريف العالم بنا، وأن التصريح بمشاعرنا كالكتابة، وسيلة لنخبر بها العالم عما مرّ بقلوبنا، وكذلك وسيلة لنخبر بها البعض أنهم قد مروا بقلوبنا، وكما أن الكتابة يصعب فيها أحيانًا التصريح مباشرةً عما نشعر به، فكذلك المشاعر يصعب علينا كشف الغطاء عنها، لتبقى في النهاية مرة استجمعنا فيها قدرتنا على التصريح عن ذواتنا بدواخلها.. أو عن مشاعرنا، شاهدًا على أننا مررنا من ذلك العالم، وعن شخصياتنا التي نخفيها.
غريب جدًا أن كل ما نخفيه يكون له اليد العليا في كل ما نظهره، ربما لذلك تكون تصرفاتنا  غير مبررة للغير؛ لأنهم يفسرون في ضوء الظاهر، بينما التفسير الحق يتمحور حول ما نُخفيه.



(4)
راسلتني صديقتي في المساء بنبرة سعيدة أكاد أسمعها عبر حروف الكيبورد، لتخبرني بأنها قد نشرت التدوينة للعامة "Public"، وأن ردود الفعل حول ما كتبت أبهجتها للغاية، لمست بهجتها بالفعل فيما فعلته صباح اليوم التالي، حيث راسلتني على غير العادة برسالة تنُّم عن تصالح مؤقت أبرمته صديقتي مع العالم بعد أن واجهته بشىء من شجاعة التصريح عن نفسها، فأرسلت لي: " صباح الفل".
جعلتني تلك الرسالة غير المألوفة من صديقتي أفكر في أنه قد يفصلنا عن التصالح مع العالم  تخطي حواجز خوفنا الوهمية، وبعض الشجاعة في ألا نُلجِّم مشاعرنا حتى وإن بدا ذلك أسلم، أو أن  ننجح في تمييز ذلك الخيط الرفيع الذى يفصل بين ذواتنا الحقيقية التي نحتفظ بها داخلنا، وما أخترنا أن يظهر منها للغير، ربما حينها  فقط نستيقظ مستقبلين العالم بصدور مفتوحة مرددين: صباح الفل.
 ولا أظن ذلك سهلاً على أي حال.


* عنوان التدوينة مقتبس من رواية لإحسان عبدالقدوس .


الأحد، 11 فبراير 2018

ما بعد الفقد



يُخَّيل لي أحيانًا أن الحياة سلسلة متوالية من الفقد، يتوسطها فقط أوقات من امتلاك ما نرغب وحيازة الأحلام، أو على الأقل أوقات عادية دون خسارة. 

مَن لم يختبر شعور الفقد، مهما عظم المفقود أو صغر شأنه؟، ثم إنه في الفقد ليس ثمة عظيم وصغير الشأن، صحيح إن الفقد مراتب والوجع درجات، لكن ثمة ألم في كل تجارب الفقد عظمت أو سفهت في عيون الغير، وليس بإمكان أي شخص أن يُصنِّف لنا ما ينبغي الحزن عليه وما لايستحق شعورنا بالألم حياله.

أن يفقد الإنسان..فذلك جزء طبيعي من اكتمال تجربته على الأرض، والفقد معنى شاسع يتسع للأشياء والفرص والأشخاص، يتسع للمرض والموت والعلاقات منتهية الصلاحية، ولكن إن كان لا محالة من معاصرة المرء لتجربة الفقد في حياته، فماذا بعد.. ماذا بعد الفقد؟


يعد الإدراك جزء أساسي من تخطي أي أزمة، أي أن "يعي" المرء أنه قد فقد، وأن شيئًا أو شخصًا أو فرصة قد انتهت قصتهم من حياته وللأبد، أن يواجه فكرة الخسارة ولا ينكرها، ثم يعايش الحزن كليًا، حتي يتطهر من الألم كليًا حينما يحين موعد زواله.

مخطيء مَن يتصور أن إنكار الفقد قد يساعد المرء على التجاوز؛ لأن الإنكار ما هو إلا تأجيل لموعد الانفجار لا أكثر، وبالتالي فإن منازلة الخسارة وجهًا لوجه بتقَبُّلها مرحلة أولى في التجاوز، على أن يعقبها الاقتناع بأن الضعف الإنساني من وسائل التطهير ولا ينتقص من أي شخص، ألا يغالب المرء ضعفه..أن يبكي.. أن ينهار لبعض الوقت، كل وسائل التنفيس عن المشاعر السلبية دواء، تغَّنى بذات المعنى محمد رحيم قائلا: "واشعر ساعات إن البكا غيمة..ينزل مطر ويطهر الإنسان"، يبقي فقط المهم في النهاية أن يختار المرء بعناية من يتعرى أمامهم من قوته الزائفة ويشاركهم ضعفه، أما التحول لضحية تبكي حظها ليل نهار ظنًا بأن ذلك هو التنفيس الطبيعي عن المشاعر السلبية فأمر بائس للغاية ومثير للشفقة، من المهم أن يبقى الحزن نبيلاً..غير ملوث بشحذ عطف الغير، وللحزن النبيل هيبة وجلال، ليس من ضمنهما أن يتقمص المرء دور الضحية   استجداءً لمشاعر الآخرين.


وفيما بعد الفقد، فإنه من المهم أن يكون الاستسلام للحزن بقْدر، بحيث ينتشل المرء نفسه من الاستغراق فيه لفترة أطول مما ينبغي، فيدفع نفسه دفعًا لمحاولة الانخراط مع الغير، أن يُكره نفسه على الذوبان وسط المجتمع ومعاودة روتينه المعهود، حتى يستعيد نفسه وتستعيده، والأهم ألا يتصور المرء إنْ وجد نفسه قد تخفف من الحزن بعض الشيء أنه بذلك قد أساء لذكرى المفقود، أو أنه ارتكب خيانة من نوع ما، خيانة القدرة على مزاولة الحياة في الوقت الذي ينبغي أن تتوقف فيه الحياة حدادً على ما فقد، قد يكون ذلك من أكثر المشاعر المُركَّبة التي قد يصادفها مَن فقد، ويسيء تفسيرها المحيطون، لكن القدرة على التخفف من الحزن مع عِظَم المفقود لا تعد خيانة، وإنما هي من أوجه رحمة الله بعباده، أن نتخفف من الحزن، هو تخفيف إلهي يلهمه الله للقلوب الملكومة.


وبعد الإدراك، وعدم مغالبة الحزن، والتنفيس عن المشاعر، فتأتي مرحلة برمجة العقل على أن ذاك الشعور المقبض سيزول.. وأن تلك المرحلة ثقيلة الوقع ستمضي، سيتلاشى الحزن ويصغر، أو بالأحرى سيتراجع إلى مكان قصي في القلب، وستمضي الحياة رغمًا عن أكبر الخسارات، وفي ذلك عزاء وسلوى للقلوب المُنهكة، وفيه انعكاس واضح للطف الله الخفي، يبتلي ويخفف، ويرزقنا النسيان..يرزقنا نعمة البدء من جديد عقب كل فقد مهما كان حجم الفاجعة، أن يبرمج المرء عقله  بكثرة ترديده ذلك على نفسه، على طريقة صلاح چاهين: "هتنتهي ولا بد راح تنتهي، مش انتهت أحزان كتير قبلها؟" 


أما أجمل ما قد يساعد المرء فيما بعد الفقد، فهو أن يرزقه القدر مَن يتقبل خفوت نجمه وانطفاءه، مَن يحيطه بعناية، مَن يتخذ سبيلاً بين ترك مساحة شخصية للحزن، والإصرار على عدم ترك الفاقد يتوحد مع نفسه في مساحته الشخصية للحزن، فيوازن بين ذلك وذاك.

 من مِنَح المِحن أن يرزق الله الفاقد مَن يجيد الحضور وقت الفقد، فيصبر عليه ويتحمل تقلباته النفسية مع الإصرار على إحاطته بالدعم وإن تمنَّع، مَن يتحمله وهو نصف  من كل شىء: نصف تركيز..نصف طاقة.. نصف قدرة على الكلام.. نصف وِد..نصف ما هو معهود فيه في كل شىء، أو للدقة  أقل من النصف ..أقل من كل معدلاته المعهودة، فثمة أثر جميل في النفس لأن يلمس المرء الإصرار عليه في أشد أوقاته ذبولاً، وكما يُقال إن الرغبة في الاختفاء ما هي إلا رغبة في أن يتم العثور عليك، فأظن أن الأمر ذاته ينطبق في حالة الفقد، فالرغبة في انعزال الناس حينها، ما هي في حقيقتها إلا تمني ألا يتركنا مَن يألفهم القلب ننازع خسارتنا فرادى، فيقتسمون الألم معنا بوجودهم إلى جانبنا فحسب، الوجود النابع من رغبة حقيقية في مشاركتنا أوجاعنا، لا من مجرد تسديد لواجبات اجتماعية  مع الأخذ في الاعتبار أن حاجة المرء للاهتمام والدعم المعنوي تتضاعف فيما بعد الفقد، على طريقة ذلك المشهد الشهير بأحد الأفلام الأجنبية: " هل بإمكانك أن تحبني أكثر اليوم؛ لأنني لست على ما يرام؟.


الاثنين، 29 يناير 2018

سيدتي الجميلة

لم يكن يومًا رابط الدم كافيًا لأن تُحب مَن تجمعك به صلة قرابة، ربما يمكن له فقط أن يُبقي شيء من الود في قلبك للأقارب، أما أن "تحب" قريب ملء فؤادك..فلا يمكن أبدًا حصر السبب في رابط الدم فحسب.. للحب دومًا أسباب أخرى، وهي دومًا تسمو فوق كل الأسباب.


جدتي.. أجمل نساء الأرض في نظري، وصفها الأقرب دومًا لقلبي، والأقرب للتعريف بها في كلمة من بضعة حروف: جميلة. 


أراقب نفسي على مدار ثلاثة أيام مرت على رحيلها، فأجدني أختم كل جملة حديث عنها بتلك العبارة: "كانت جميلة"، ثم اندهش من وقع كلمة "كانت" .

 مُخطىء مَن يظن أن جمال المرأة محصورًا في السمات الشكلية، صحيح أن الشكل شطرًا من الجمال، لكنه مجرد جزء صغير منه، ومَن يراه الجزء الأكبر فقد فاتته حكمة تذوق معنى الجمال والإحساس به، ومَن لم يعرفها ..مَن لم يعرف جدتي.. فأظنه لن يهتدي يومًا لفهم المقصود بامرأة جميلة.

 ربما اتفهم أن يبالغ شخص في وصف جدته أو أمه بأنها الأعظم على الإطلاق؛ لأن في قلب كل أم سحر.. عاطفة عجيبة يهبها الله إياها فتجعلها قطعًا الأعظم في عين أبنائها.. الأمومة هي الصخرة التي تنكسر عندها أنانية الأنثى، ويولد عندها مع صغارها معنى الإيثار وإنكار الذات، لذا فالعظمة قرين منطقي للأمومة، ولذا تتسع اللغة لتحتمل وصف كل أم بصيغة التفضيل، وهي كانت قطعًا عظيمة، لكن العظمة على قدر مبالغة التوصيف لا تنصفها، تبدو الكلمة فقيرة أمامها، جدتي كانت عظيمة بلا شك، لكن توصيفها بالجميلة محبب إلى نفسي أكثر؛ إذ يعكس إنسانيتها، وشخصيتها الخَيَّرة..المُحبة للغير.. الجمال يحتوي صفاتها أكثر، ويليق بها.


أكتب عنها اليوم لا لأرثيها، ولا ليتحول الأمر لتدوينة بكائيات، فالموت رغم قسوته يظل بابًا مؤكد مرورنا جميعًا منه، صحيح أن سيدة كجدتي تُدمَى القلوب لرحيلها؛ لأنها حالة..حدث استثنائي فريد لا تصادفه في العمر إلا مرة واحدة، لكن أيضًا سيدة كجدتي تستحق أن يُغالب المرء حزنه، ويستجمع ذهنه للتوثيق عنها، أو ربما لتوثيق إحساسه تجاهها في هذا الوقت، وإن كان في الحزن انفعال..ففي الحزن صدق خالص، يصعب تزييفه، لذا سأكتب عنها في أوج حزني، لكني سأُنحِّي مواقفًا تمتد بطول عمري الذي عاشرتها فيها جانبًا؛ تجنبًا لتأثيرها في نفسي حتى لا يطفو الحزن على سطح القلب أكثر من ذلك، واكتفي بتوصيفها بعمومية شديدة، في كتابة أحاول أن تكون هادئة قدر الإمكان، وبتماسك أتمنى ألا يكون زائفًا، أكتب لأخبر كل من تصادف عيناه تلك السطور عن سيدة جميلة، ربما نعيد معًا تعريف الجمال من خلالها.

سيدة لم تتجاوز في تعليمها الصف الرابع الإبتدائي، تجيد القراءة بشيء من الصعوبة، لكن رصيدها مما تذكره من المدرسة يُعينها على قراءة القرآن في ذلك المصحف الكبير المناسب لضِعاف البصر، تلملم الحروف بصعوبة وهي مُنكَبة على المصحف لتتمكن من رؤية كلمات الذِكْر الرباني، تتعثر في نطق بعض الكلمات.. أساعدها.. فتبتسم.. أقرأ فتردد خلفي، لا تخجل من خطأ..أو من صغير يرشدها، أتحول في دقائق لمعلم وهي لتلميذ، نتبادل الأدوار في إنسيابية شديدة..لتهديني لحظات جميلة الأثر في نفسي بقراءة أحب الكلام مع أحب الناس.

(الجمال عدم مكابرة). 



بقدر ضئيل من التعليم كانت تجاوز في لباقة تصرفاتها، وفي التزامها بما يمكن تسميته بــ " الأصول"- مَن يمتلك أعلى الشهادات وقد لا يمتلك من الأخلاق نصيبًا كافيًا، كانت هي أول مَن أثبت لي الفكرة: لا منصب ..ولا مستوى اجتماعي..ولا شهادة تعليمية دليل على رقي شخص. 

(الجمال تهذيب.. ومعاملة الغير بنُبل).


ذات حضور خفيف..لا تُثقل أبدًا على أي شخص مهما كان قريبًا منها، غير مُتطلِبة، وإن اضطرت..فتطلب بتهذيب بالغ، وتحذر من أن تمثل عبئًا على الآخرين، وإن أجيب طلبها فتشكر وتُقدِّر، بإمكانها شكرك على أصغر ما تقدم بامتنان حقيقي غير مصطنع، لتشعرك بأنك جلبت العالم كله وقدمته لها، فتتمنى بالفعل لو بإمكانك جلب العالم كله وتقديمه لها،  مترفعة عن الزج بنفسها فيما لا يعنيها، تترك لكل شخص مساحته الخاصة لإدارة حياته حسبما يشاء، فلا تطارد بأسئلة، ولا تتبع بفضول، تترفع عن مطاردة الغير لاستكشاف خصوصيتهم. 

(الجمال عزة نفس..وتعزيز للنفس).


رقيقة المشاعر.. حلوة اللسان، تنْظم من الكلام العادي شعرًا، هكذا كنت أحسب دعواتها دوما..شعر: "أجيبلك حاجة يا تيتا/ يجيبلك الهنا والسعد"، " عايزة حاجة يا تيتا/ أعوزك طيبة"، أما إن قَّبْلت يديها فتهديني جملتها العذبة: "باستك العافية". 

(الجمال.. لين القول).


متسامحة.. تضع لأحبابها من الأعذار أطنانًا إن غابوا عنها لبعض الوقت..ثم تضع من محبتها أطنانًا إن عادوا وتنسى الغياب، لم تعتبر نفسها يومًا محور الكون، الآخرون وظروفهم دومًا نصب أعينها.

(الجمال إحساس بالغير..وتقديرًا لظروفهم).


تجيد التدبير في أي ظرف، لكنها دومًا يقظة لأن احتمالات الغد قد تتضمن بعض القسوة فتستعد..وتدبر، وتخطط، حتى إذا أتى الغد قاسيًا وجدها متأهبة.. وقادرة على مواجهة رياح التغيير .

(الجمال ذكاء ومرونة).


رحلت الجميلة .. 
فانتفى عن عالمي معنى الجمال وكأن لوحة ملونة سُحِبت ألوانها وصارت بالأبيض والأسود فجأة، لكن أثرها الجميل سيمتد فينا.. أعلم ذلك جيدًا، وسأستعيد مع الوقت ألوان لوحتي بذكراها الطيبة في قلبي. 

رحلت ذات المكانة المتفردة في قلبي، رحيل جميل مثلها..تمامًا كما تمنت، دون أن ترهقها الشيخوخة، وهي قادرة على خدمة نفسها لأخر لحظة..وهي في وعي وذهن حاضر لآخر لحظة.. رحلت بهدوء وهي نائمة في انتظار أن تستيقظ لصلاة الفجر.. ليلة جمعة.. مطمئنة لأن أمي- ابنتها- نائمة بجوارها..رحلت رحيلاً جميلاً، فكان ذلك عزائنا وسلوانا. 

بكاها الصغار قبل الكبار، بدموع صادقة وحزن حقيقي، نابعًا من قلوب بريئة لا من تأثر بأجواء  قاتمة تحيطهم، بكاها أزواج بناتها بكاء ابن على أمه، فتعرفت ببكائهم عليها مرة أخرى، وعلى شطر جديد من جمالها: الجمال رحمة بالآخرين،صغير.. وغريب، الجمال قلب طيب لا ينطوي على ضغينة، الجمال أن تهدي الآخرين الحب بحُسن المعاملة، فتسترده حبًا بحُسن السيرة وبذكرى طيبة في القلوب.


صحيح أن الجمال لا يمكن توثيقه تمام التوثيق، حتى وإن اجتهدت شتى فنون الكتابة في ذلك، لكن جملة واحدة قد تكسر القاعدة وتوثق لجمال العالم أجمع..جملة واحدة  تختصر جمال العالم بتبسيط غير مُخِّل: "جدتي.. سميحة عبد الرحمن".  


الثلاثاء، 12 ديسمبر 2017

في صباح شتوي بارد

كان صباحًا روتينيًا.. سبقته ليلة شهدت اضطرابات نوم واضطرابات فكر.
لم أكن في مزاج رائق عند الاستيقاظ..أو ربما لم أكن في كامل استعدادي للانخراط مع الآخرين أو مواجهة الأشخاص، بينما كان يوم عمل حافلاً بلقاء الناس.
أندهش أحيانًا من قدرتنا على الاستمرار ومواجهة تفاصيل الحياة اليومية ولقاء الناس..رغم أننا لا نكون مؤهلين تمامًا لذلك..وأظن في الأمر بطولة تستحق الاحتفاء بها.

عند مغادرة المنزل كنت قد تأخرت عن موعدي، ولكني لم أكن أبه لذلك.. ربما لم أكن في مزاج غير رائق فحسب، أظنني كنت في حالة "مش فارقة."
أشرت بيدي لسيارة أجرة..أخبرت السائق عن وجهتي، فأخبرني- بإبتسامة سمجة - أن العداد لا يعمل، لأخبره بدوري عن الأجرة المعتادة التي أدفعها، فماطل لزيادتها، رفضت استقلال التاكسي، ثم شعرت بشيء من الرضا لرفضي الرضوخ لاستغلال أحدهم لمجرد تأخري عن موعدي.
مزعج جدًا أن يستهلك المرء طاقته في  معارك جانبية..مع السائق..مع البائع.. مع موظف كسول فى مصلحة حكومية..إلخ

واصلت السير على قدماي لبعض الوقت رغم تأخيري.. هواء الشتاء الصباحي جميل، ويمكنه تغليف الروح ببعض السكينة، ودفعنا لعقد صلح مؤقت مع قسوة العالم ونسيان الصباح الروتيني والليل المضطرب.

كان علىّ حينها دفع نفسي للبحث عن سيارة أجرة، يتحتم على المرء مقاومة الاستسلام لحالة "مش فارقة".. أظن مقاومة الإنسان لنفسه وتقويمه ذاته وتهذيبها من أشجع ما قد يقوم به المرء مع نفسه، لذا فقد فعلت.

أشرت بيدي لسيارة أجرة أخرى.. كان السائق رجلاً في أواخر الستينات على ما أظن، يبدو ارستقراطي الهيئة رغم بساطته، يعلو رأسه شعر أبيض في معظمه يخالطه سواد بسيط في بعض الأجزاء، وتغطي وجهه نظارة بنية الإطار والعدسات فتحجب عينيه وتضفي عليه بعض الوقار، ويرتدي چيليه صوف كحلي اللون على قميص ذا أكمام طويلة.. مظهره في إجماله مهندم يليق برجل كلاسيكي متقاعد.

بدأ حديثه فور استقلالي السيارة بتنبيهي عن تقلب الطقس وكيف إنه توقيت مثالي للإصابة بالحساسية، ظننت لأول وهلة أن حظي أوقعني مع سائق ثرثار، لكن سرعان ما تغير انطباعي، ليس ثرثارَا وإنما أظنه شخصَا يفتقد الونس، كما أن تنبيهه لي لم يبدو كباب لفتح الحديث، وإنما شعرت بصدق أبوي فيه..هكذا شعرت، وأؤمن بأن المرء إن لم يمتلك دليلاً فيكفيه تصديق حدسه..تصديق ذاك الصوت الداخلي الذي يأتينا من أبعد نقطة في قلوبنا، ثم كيف يمكن المرء تقديم دليل عن شعور يراوده؟

تحدث طوال الطريق.. لكنني لم انزعج إطلاقًا من حديثه، بل وجدتني أنصت إليه باهتمام شديد، كان حديثه بالفعل مسليًا، وكان خفيف الظل، لم يكن يستهدف أن يبدو خفيف الظل، ولذا بدا كذلك بالفعل.

اختار موضوعات حديثه وقاد الحديث بسلاسة..الحكي مهارة وكان يمتلكها، تحدث عن الشوارع قبل زحام العصر الحديث.. وتغيرات المعمار.. واختلاف شكل الناس.. عن فساتين الفتيات الأنيقة، حدثني عن أفلام الأبيض والأسود..وعن أيام زمان إجمالاً، بدا مفتقدًا بشدة إلي شيء ما.. زمن ما..أو ربما شخص ما، ثمة شيء خفي من الشجن كان يغلِّف حديثه، لكنه مع ذلك لم يكن  من نوعية  الأشخاص التي تستجدى عطف الآخرين، وكان ذلك يضفي علي حديثه سحرَا من نوع ما.
 أظن أن أعظم ما نتأثر به هو ما لم يستهدف مسبقًا التأثير فينا.

كان حديثه حماسيًا ..ولا أظنه كان ينتظر مني ردود.. كنت فقط أتدخل بجملة من حين لأخر، أظن أنه بإمكاني أن استمع لحديث مطول حتى وإن لم يقع تمامًا في نطاق اهتمامي، وأن استمتع للغاية بالإنصات لمجرد متابعة حماس المتحدث، تبدو كل الناس أكثر جمالاً وهي متحمسة لشيء ما، وأظن للسبب ذاته، يترك الخذلان الناس منطفئة؛ لأن الخذلان يسحب من المرء حماسة كانت موجودة في يوم ما، ويستبدلها بخواء مرعب.

وصلت إلي وجهتي وأنا في مزاج أفضل، لأعود وأكتب مساءً عن ذلك الرجل الكلاسيكي ذا الچيليه الكحلي.. المفتقد للونس، الذي لن يعلم أن لقاءًا عابرًا بفتاة صادفته في صباح شتوي بارد سيترك أثرًا ما في نفسها، وسيترك في الوقت نفسه احتمالاً في عقلها بأنه ربما مَن لم يكن يستجيب لأحاديثنا إلا بردود مقتضبة لم يكن غير منتبهًا لما نقول، ربما فقط كان متأثرًا لدرجة عدم القدرة على الرد المطول، وأنه ربما نكون قد تركنا أثرًا ما في قلب أحدهم أيضًا دون أن ندري.. ربما.


السبت، 2 ديسمبر 2017

نادي الثلاثين

 كمتسابق يقف في صفوف تجارب أداء منتظرًا أن يأتى دوره ليعتلي المسرح ويقدم فقرته، أقف في صف يسبقني فيه مَن بلغ الثلاثين قبلي، والآن قد حان موعد فقرتي عن الانضمام لنادي الثلاثين.

يبدو إذن أنه أمرًا مختلف أن تكمل ثلاثة عقود بما يجعل من الأمر تجربة تستحق التدوين لأول محطة حياتية يمكن أن تقف عندها صائحًا في الآخرين: "أنا مبقتش صغير..انا عندي تلاتييييين سنة".

 يخالط الأمر شيء من التباهي برقم تدّعي عنده أن لديك رصيد ما مع الحياة؛ لأنه وصولاً لهذا الرقم تكون قد مررت بلا شك على كثير من معاني الحياة، أو بالأحرى قد مرت  بعض معاني الحياة عليك.. كشاحنة ثقيلة تعبر فوق روحك في بعض الأحيان،  ففي الطريق إلى الثلاثين لابد وأن تكون عاصرت معاني عن المكسب والخسارة، الفقد، الانتصار، الانكسار، الحب، الصدمة، الخذلان، المرض، الاعتماد المطلق أو الجزئي على نفسك .. وغيرها من معاني متضادة تشكلك الحياة عبرها، بما يجعل الثلاثين تجربة مختلفة.. أو تجعل الثلاثين منك شخصًا مختلفًا، وفى الحالتين يستحق الأمر التوقف عنده.


لن أدون عن الثلاثين في صورة نصائح أسديها لغيري، في الواقع باتت فكرة النصائح تزعجني؛ لا لأنها تكون في حالات كثيرة مجرد تنظير فارغ يريد به من يسديك النصيحة أن يبدو عارفًا ببواطن الأمور، ومدعيًا قدرته علي العبور سالمًا من دهاليز الحياة الوعرة ومتغنيًا بأمجاده، وإنما لأنني صرت أجد فيها مصادرة علي حق الآخر في التجربة، في أن يختار بنفسه.. ويخوض التجربة.. ويخطئ، وصولاً لأن يصيغ بنفسه قناعاته الأنسب لحياته وظروفها، أظننا لم نعد في حاجة لقوالب نصائح جاهزة نرددها علي بعضنا بعضًا كنصوص جامدة تتلو علينا ما يجب فعله ومالا يجب، وإنما قد يتمثل جُل ما يحتاجه المرء في تنبيه بسيط يحذره إذا ما جانبه الصواب دون مصادرة علي حقه في التجربة وباستيعاب كامل لأن اختلاف ظروفه قد لا تجعل نصائحي ملائمة له، والأهم  احتياجنا للدعم في حالة الخطأ أكثر من النصيحة، أكثر من  صوت مؤنبًا تحت شعار: "مش قلت لك وماسمعتش كلامي؟"،  لذا سأدون فقط عن الثلاثين كتوثيق للتجربة، ربما أعود لما كتبت بعد سنوات طوال - إن كتب لي الله العمر- لأقرأ كيف كنت أرى حياتي وأنا شابة.

في الثلاثين تجد نفسك تبدأ الاحتكاك الحقيقي بالحياة، ولكنها بداية من المنتصف إن جاز التعبير، بداية تسبقها سنوات طوال من محاولات الاستكشاف المرهقة، ربما لا يمكنني أن أصف العشرينات بغير هذا: "سنوات الاستكشاف"، فإن كانت السنوات الاولي للوليد يكتشف فيها الأشياء والأشخاص من حولة للمرة الأولى، فمرحلة العشرينات بأكملها هى السنوات التي يحاول فيها المرء "فهم" الأشياء والأشخاص حوله للمرة الأولي، سنوات استكشاف المفاهيم وصياغتها، ثم هدم مفاهيم خاطئة وصياغة أخرى من جديد بعدما يثبت أن ما استقر في الأذهان طويلاً كحقائق "طِلع بلح"، وهى رحلة مرهقة جدًا للنفس تهتز فيها ثقتك بكثير مما يحيطك من أشياء وناس ومفاهيم.

 ربما لذلك لم أحب العشرينات كثيرًا،  إلى أن أصبْحت أكثر تصالحًا معها في النصف الثاني منها، وبعكس كثيرون لا أودع العشرينات بشجن او بخوف من تسجيل عمري برقم 3 بدلاً من رقم 2، ربما فقط يثير في نفسك التغيير إلى رقم 3 شيئًا من ضرورة الانتباه إلى أنه لن يجدي نفعًا على الدوام التعامل مع الحياة بطريقة "خلي بكرة لبكرة"، وأن التخطيط لشكل حياتك أمرًا يجب الانتباه له، وفيما عدا ذلك لا تفزعني الثلاثينات ولا اترحم علي العشرينات، لا تفزعني الأرقام، ولم أعانِ يومًا من تلك المشكلة الكلاسيكية التى تؤرق السيدات في الإفصاح عن أعمارهن، لا أرى تقدم المرء سنًا أمرًا يستوجب الإنكار، ولا استمد إحساسي بشخصي من رقم يؤرخ ليوم مولدي، لا تفزعني فكرة أنني أكبر إلا في جانب واحد فقط: أن أكبر دون أن تمتليء سنواتي بالحياة، ألا امتليء بالونس ممن يألفهم القلب.. ألا أشبع من أحبابي، خاصة مع مرور السنوات سريعة..سريعة جدًا، لا تفزعني فكرة أني بالفعل أكبر، وإنما أخاف وأفزع فقط من سرعة الوقت، من تلك القفزات الزمنية التي لا يستوعب المرء متى حدثت؟ أين الارتواء من كل تلك الاحداث التي مضت كالومضات؟ لما تمر لحظات الفرح سريعًا، بينما ينطبع الألم في القلب كندبة لا يزول أثرها سريعًا..أو ربما لا يزول أصلاً كجرح التئم ظاهريًا فقط بينما لن ينمحي أثره أبدًا؟ .

تنتهي العشرينات لتقف مرتبكًا بين  فكرة أن تكبر وأن تستنكر متى حدث ذلك؟ 
في الثلاثين تكتشف تغيرات ما طالت شخصك.. لم تعد بحماسك المعهود تجاه كثير من الأشياء، لن تراوغ كثيرًا في شتى شئون الحياة، تقل قدرتك القتالية، أو ربما تقاتل بصورة أكثر ارتكازًا وأقل اندفاعًا؛ لأنك صرت أكثر ادراكًا لعدم جدوى إهدار مزيد من الوقت في معارك لا تنتهي بفوز أحد.. أو في قصص تستهلكك وحسب، أو مع أشخاص لا تشعر معهم بأنهم مساحتك الآمنة، فى الثلاثين تترك ساحة الاشتباك وتفضل الجلوس في المدرجات مستمتعًا بــ "الفُرجة"، ومندهشًا من أنك سمحت لنفسك يومًا - مدفوعًا بحماسك الأهوج- بالانخراط في معارك لا تنتهي إلا بهدر للطاقة فحسب، وإن اخترت النزول إلى الساحة تكون انتقائيا للغاية فيما يستحق الاشتراك فيه.

في الطريق إلى الثلاثين صرت أُبلي حسنًا في محاولات السيطرة على نوبات قلقي، بينما صارت نوبات قلقي متكررة مقارنةً بما كانت عليه وأنا في سن أصغر، أظن القلق يكبر معك أيضًا وتختلف فقط طريقة استجابتك له، فتصبح أقل هلعًا..أو هكذا تبدو، لكن يصاحبك القلق دومًا من سيناريوهات يأخذك ذهنك بها لغد غير مألوف،  صرت ماهرة في عدم التصريح مباشرة بما يثير قلقي، وماهرة في التعامل مع تفاصيل الحياة اليومية وكأن لا شيء يزعجني من الأساس، بينما صار القلق أكثر مهارة في تغيير استراتيجيته معي، أصبح يأتيني مع تجاهلي له في صورة نوبات من اضطرابات النوم.. واضطرابات الطعام.. واضطرابات صحية يهاجم بها جسدي، وأظن الأمر نفسه بات ينطبق مع نوبات الاكتئاب التى اختلف شكلها مع التقدم سنًا، فلم يعد الاكتئاب يدفعك للانزواء في غرفتك وحيدًا، وإنما صار المرء رزينًا حتى فى اكتئابه.. يكتئب وهو يواصل يومه..وعمله..ويقابل الناس.. ويضحك على فيس بوك، ربما تصالحنا مع الجانب القاتم في الحياة كما تصالح راسل كرو مع هواجسه في فيلم "Beautiful mind".

صرت أيضًا أكثر عملية.. عملية في اختيار ملابسي..فى اختيار الأماكن.. صار أهم معيار  لدي في المفاضلة دومًا هو " الراحة".. وتوفير المجهود المهدر في تفاصيل لا تُنهك إلا صاحبها.. وأظننى استخلصت أيضًا أن المعيار ذاته قد ينطبق على الأشخاص المفضلين..هؤلاء الذىن يمثلوا للمرء واحة هدوء وراحة، ولا أظن أن فكرة ارتياحك لأحدهم يسيرة أو قابلة للتكرار بسهولة.


‌أما أبرز تغيير لمسته في نفسي في السنوات الأخيرة من العشرينات، كان ما وصفته يومًا لصديق بــ  "القسوة"، كنت منزعجة حينها من قدرتي المفاجئة على ألا أجيب نداءات كل من يحتاجني، ألا أبذل مجهودًا للحفاظ علي مَن تبهت علاقتي معه كما كنت في السابق، أن أصبح انتقائية للغاية فيمن يستحق مجهودي معه، وأن اتعلم أن أقول "لا" بلا أدنى إحساس بتأنيب الضمير، وإنما إيمانًا بأن الرفض أحد حقوقي وأنني لست مضطرة على الدوام لأن أفعل ما يُطلب مني، اختلف معي صديقي حينها وأخبرني أنها ليست قسوة وإنما تغيير مطلوب في المرء حفاظًا على نفسه من الاستنزاف، ووافقته الرأي صديقة أخرى تطرقت معها لمناقشة الأمر ذاته بعد فترة، فاطمئن قلبي لأنني ربما لم أعد أكثر قسوة..وإنما قد أكون صرت أكثر إدراكًا.. وصرت أكثر حبًا لنفسي، ذلك الحب المحمود لنفسك، الذي يجعلك مؤمنًا بأن تنتبه جيدًا لحق نفسك عليك، وأن حب الآخرين لا يعني أبدًا أن تهلك نفسك وتستهلكها في سبيل من يحولك ومجهوداتك إلى شيء مُسلَّم به، وأظنه صار التغيير المحبب إلي قلبي بين جملة تغييرات طالتني، وإن كنت لم آلفه كليًا إلى الآن.

سلم
 على بُعد أيام من بلوغ الثلاثين أقف مودعة العشرينات بلا ندم على ما أخطأت فيه..بلا ضغينة تجاه أي شخص  خذلني..أو حزن على أى فرصة فاتتني، بقدرة كبيرة على التجاوز.. وبتصالح شديد مع الشخص الذي كنته بالأمس، ومستقبلة الثلاثينات لا بأذرع مفتوحة للغاية لأنني تعلمت أن الحماس الشديد حماقة، وإنما بقلب مفتوح يُمنىّ نفسه بأن يسع نفسه دومًا بكل تناقضاتها..وأخطائها.. وتجاربها.