الثلاثاء، 12 أبريل 2016

بلوتو الدور الرابع 17 - الاستعانة بصديق

عزيزى على
                صديقى الفضائى من ذاك الكوكب البعيد، القريب جدًا بعكس ما تُقّره كل الحقائق والعلوم وحسابات المسافة والزمن.
                                                      كيف حالك يا صديقى؟ 

أكتب لك خطابى السابع عشر لأجرى معك دردشة حياتية تأخر كثيرًا أن نجريها وجهًا لوجه، هل لك وجهًا يا على؟ لا أظن انك كائن فضائى هلامى بلا وجه..أخبرتك مسبقًا أننى أتصورك كــ E.T، ، قد يصيب ظنى أو لا يصيب، لكن على أى حال لا أتصورك قبيحًا  أبدًا يا صديقى..أو بالأحرى لا يمكن أن أراك قبيحًا أبدًا، فبعض الأشخاص يُقّدر لنا ألا نراهم أبدًا بصورة سلبية مهما بدر منهم، ربما نتقبلهم لدرجة تقّبُل كل المزعج فيهم، لا أقصد أن تغفل عن رؤية السىء فيهم، بل تراه وتلمسه وتدركه، ثم لا يغير ذلك شيئًا فيك تجاههم.


المهم،

دعنى أدردش معك اليوم  فى فكرة أرّقتنى كثيرًا مؤخرًا، فلتعد  مج نسكافيه دافىء وتستعد للاستماع:


(1)

شاهدت منذ عدة شهور فى السينما ذلك الفيلم لبرادلى كوبر: Burnt، ولمسنى بشدة ذلك الخيط الإنسانى فى الأحداث، حيث كان البطل يريد أن ينجز كل شىء على النحو الأمثل..لا الأفضل فحسب، وفى الوقت نفسه فإن طلبه للمساعدة من الغير فى أى شأن حياتى، كان دومًا خياره الأخير والأصعب، هل تعرف يا صديقى معضلة أن تريد لكل شىء أن يتم بمثالية دون نواقص أو عيوب ..دون مساعدة أحد؟ لا لأنك لا تثق فى الأخرين..ولكن لأنك لم تعتد أن "تطلب"..وبالتبعية فالأخرين لم يعتادوا توقع أنك قد تحتاج للمساعدة.
 كنت أتابع الفيلم وأنا مشفقة بشدة على البطل، كنت أوّد حينها أن اقتحم الشاشة -على طريقة تصورات الطفولة بأن الأبطال موجودون داخل جهاز التليفزيون أو شاشة السينما- لإخباره أنى أعى تمامًا ما يعانيه.
على أى حال انتهى الفيلم بلجوء كوير لاختصاصية نفسية.


(2)

أتعرض لعدة نوبات صحية على مدار الثلاثة أشهر الأخيرة، فتداهمنى حالات إعياء شديدة..انخفاض فى ضغط الدم.. صداع.. اضطرابات فى النوم..وصولًا لفقدان الوعى كليًا مرتين، لا أخفى عليك يا صديقى قلقى على نفسى، ولا أخفى عليك أيضًا المردود النفسى السىء للأمر، شهران من تعاطى عدة فيتامينات ومقويات، إلى أن ذهبت للطبيب بالأمس، ليخبرنى بعد اطلاعه على الفحوصات أنى لا أعانى  من أى شىء صحى تمامًا، أقف أمامه مندهشة لأتسائل: " أومال أنا مالى؟"، ليبادرنى بالرد أننى أعانى من ضغوط عصبية انعكست على صحتى فأصابتنى بالإعياء، تقاطعه صديقتى التى اصطحبتنى رغمًا عنى للطبيب مؤكدة أننى لا أُنفّث عن أى ضغوط بشكل صريح، تشدد له على أننى أتعامل مع الضغوط بالصمت..بالصمت التام.
 طالبنى الطبيب أن  أعامل نفسى معاملة الأطفال- على حد تعبيره- وأن أشاهد يوميًا قبل النوم فيلم محبب..أو أن أفكر فى أمر مبهج،" طب والفيتامينات يا دكتور/ ملهاش لزمة" ...هكذا ببساطة!
كنت قبل مغادرة المنزل باتجاه الطبيب اسأل جدتى " عايزة حاجة يا تيتا؟"، فتجيبنى بدعوة صادقة " انشالله ما تعوزى حاجة من حد أبدًا".. أفكر عند الطبيب في دعوة جدتى وأظنها كانت تحتاج جملة إضافية " وما تتعبيش عشان انتى مش عايزة من حد حاجة".


(3)
تخبرنى صديقتى البشوشة دائمًا..المحبة للحياة رغم أوجاعها، بينما كانت صريعة لإحدى نوبات الإكتئاب أن محاولتها للعب كل الأدوار مرهق للغاية، بل فاشل جدًا على كافة الأصعدة، سواء عمليًا من حيث إمكانية التطبيق الفعلى، أو نفسيًا من حيث القدرة على الاستمرار والمواصلة بنْفس راضية.
استرسلت مضيفة أنها كانت تسعد سعادة حمقاء فقط من عدة سنوات مضت، حينما كانت تجد نفسها موكل إليها كثير من المسؤليات، سواء في عائلتها لكونها الابنة الكبرى، أو في أسرتها الصغيرة باعتبارها زوجة يمكن الاعتماد عليها، لتستيقظ بعد عدة سنوات من سعادتها الحمقاء على حالة من عدم القدرة على فعل أى شىء..كبير أو تافه.



هل وصلت لك يا صديقى الفكرة؟
نحن بشر يا على، مهما بدت قدرتنا على التحمل عالية إلا أننا " نازلين بأوبشن إننا بنتعب..عادى"، تضم أرواحنا القوة والضعف معًا،فلا يضيرك يا صديقى أن تضعف أو تستسلم لتعبك أو أن تصرح باحتياجك للمساعدة، أعرف أننا في مجتمع قاس للغاية ربما لا يتيح لك الفرصة كاملة لذلك، ولكن قد يكفينا ألا نقسو على أنفسنا بتحميلها ما لا تطيق، أما المثالية يا صديقي فدعنى أخبرك أنها مجرد كلام فارغ.. ترهات  تضغط بها نفسك لا أكثر، لتكتشف في النهاية أن " كله محصل بعضه"، وأن كل الطرق تؤدى إلى روما.

 درّب نفسك يا صديقي على تقبُل ضعفك وحاجتك للمساعدة..ودع المثالية جانبًا، وتذكر فقط أن بعض المسابقات لا يمكنك الفوز فيها إلا من خلال الاستعانة بصديق.

دمت بعيدًا عن كل إرهاق..وضعف ..وعوز يا صديقي.

                                                                 
                                                                                 من كوكب الأرض.
                                                                                    مع تحياتى،،









الاثنين، 7 مارس 2016

بوسطة 2 - منة عبد الحميد

عزيزتى منة :


 منذ الأمس وأنتِ تحتلين مساحة كبيرة فى رأسى بصورة لا أعلم لها دلالة أو مغزى محدد، أفكر فيك ثم أتوقف ثم أعاود التفكير، انشغل ببعض الشئون الحياتية، ثم أنشغل بك، إلى أن قررت أن أكتب لكِ فى إطار طقس كتابة الخطابات الذى بدأته مؤخرًا؛ لولعى الشديد بالخطابات من جانب، ولأنها فعليًا صارت وسيلتى الوحيدة الآن فى التواصل معك، بعد جملة ظروف منعتك تارة عن الكلام، ومنعتنى تارة أخرى من الأمر ذاته.


ربما طللتِ بشدة على رأسى مؤخرًا؛ لأن فكرة ما أحسبها قد تماست بينى وبينك فى الوقت نفسه، دعينى أشرحها لك يا صديقتى، فربما أصيب التفسير..تفسير الفكرة، وتفسير احتلالك لرأسى:


يحدث أحيانًا يا صديقتى أن تكون ردود الفعل أضخم مما يتطلبه الفعل نفسه، يجد المرء نفسه فجأة يستجيب بشكل عنيف في موقف لا يستدعى أبدًا تلك الاستجابة، ينتفض بشدة تجاه أمور يمكن في النهاية تصنيفها على أنها متكررة.

 والعنف يا صديقتى لا يعنى بالضرورة العدائية، وإنما فقط يعنى التدخل القوى من جانبه، كأن يختار المرء الانعزال التام عن كل من يعرفهم بمن فيهم من يألفهم حتى، أن يختار الصمت لغة لا يعرف سواها للتعامل مع كل المعطيات حوله.


هكذا نتصور يا عزيزتى..هكذا فقط نتصور.


نظن بتقييم نظرى من جانبنا أن رد الفعل مبالغ فيه وضخم، فى حين انه لا يكون هكذا أبدًا، كل ما فى الأمر أنه رد فعل طبيعى جدًا، لكنه فى غير موضعه لا أكثر،  وأحيانًا نحتاج رغمًا عنا ردود فعل قوية عنيفة وقاسية كهذه؛ لتحررنا من وطأة الضغوط، وتطهر أرواحنا من أثقال تُرهقها، ولم نفسح لها المجال للخروج من داخلنا، وقت كان ينبغى علينا أن نفعل، صمدنا فى أوقات لا تحتمل الصمود، لننهار فى أوقات لا تستحق الانهيار.


 هل تعرفى يا صديقتى ما يُقال عن أن أى انفصال بين اثنين لا يكون عادةً بشأن الخلاف الأخير، وإنما يكون لجملة خلافات طويلة قد يصدف أن أكثرها تفاهة آخرها، فتنتهى القصة برمتها،  ويظن الآخرون أن قصة كاملة انتهت بفعل أمر ساذج، بينما هى فعليًا قد انتهت بفعل عدة أمور جوهرية.. لا أجد تشبيهًا أكثر دقة من هذا لما أود قوله، أظننا قد وقعنا  مؤخرًا يا صديقتى لا بشأن أكثر الأشياء تفاهة، وإنما لأننا لم ننفث عن ضغوطنا فى موضعها الصحيح وقت  كان ينبغى لنا أن نفعل، لا أعنى أبدًا  أنكِ قد أخطأت فى استجابتك الأخيرة أو أن اختيارك بالابتعاد  قليلَا عن كل المألوف كان مبالغًا فيه، أو أن أًسّفه مما دفعك لهذا الاختيار، لا أعنى ذلك أبدًا يا صديقتى، بل أتفهمه تمامًا، ولكن لسبب ما لدى شىء من القناعة بأن استجابتك تلك جاءت فى غير موضعها.


أعرف أنكِ كنت فى حاجة ماسة وبالغة للانزواء بنفسك قليلًا، اُقّدر المساحات الشخصية يا صديقتى واحترمها، وأقّدر أنكِ فى هذا التوقيت كنتِ فى أشد الحاجة لذلك، لكننى غير قادرة على حسم أنكِ قد اخترتِ ذلك لظروف أخيرة مررتى بها، أزعم يا صديقتى أن اختيارك  كان الجزء الأكبر منه هو أنكِ شخصية صبورة فى التعامل مع الأمور كافة.. طويلة النفّس مع الحياة.. تعاند الاستسلام للحزن، شخصية قاومت كثيرًا، إلى أن حان وقت أن تأخذ هدنة من كل شىء، ففعلتْ فى أول موقف يتيح لها ذلك بعد كثير من الصمود.


 ربما قد أكون أخطأت التشخيص، ربما كلامى هذا ما هو إلا تنظير فارغ، ولكن لأننى أعلم أن فى نفوسنا أنا وأنتِ شيئًا يتماس فى نقطة منه، فربما ينطبق تفسيرى هذا عليكِ أنت الأخرى كما انطبق علىَ مؤخرًا،  أريد فقط يا صديقتى أن أخبرك أن لنفوسنا علينا حق كما أبداننا، لذا فلتأخذى حق نفسكِ كاملًا، لن أردد عليكِ كل الصياغات المستهلكة التى نبتذلها فى التعامل مع أوقات هشاشتنا، خذى وقتك وأعيدِى شحن نفسك.. لتعودى مرة أخرى كما عهدى بك دائمًا : منة الصبورة فى التعامل مع الأمور كافة.. طويلة النفَس مع الحياة.. التى تعاند الاستسلام للحزن.


أما ختام خطابى فسيكون بما وودت أن أخبرك به من السطر الأول : افتقدك :)


الأحد، 27 ديسمبر 2015

بوسطة (1) - رانيـــــــا الخُضري

لسبب ما، فقلبى شديد الولع بفكرة كتابة الخطابات.


أشعر أن الأمر أبسط حتى من أن نطلق عليها خطابات.. كلمة جوابات أدفأ فى استخدامها، أتخيل مرارًا لو أن الجوابات كانت وسيلة التواصل فى عصرنا الحالى، ثمة شىء حميمى فى أن يخط لك أحدهم كلمات بيديه ..لا عن طريق لوحة مفاتيح، ليحمل لك الجواب شيئًا منه مع كلماته: خطه .


أسرح قليلًا فأتصور أننى أقضى الليل عاكفة على كتابة بعض الأوراق، ثم أضعها فى ذلك الظرف الأبيض ذا الإطار الملىء بمربعات زرقاء وحمراء، أُحكم لصق الجواب، أكتب العنوان على الغلاف الخارجى ، ثم ألصق طابع البريد، لا يتوقف خيالى هنا فحسب، وإنما يمتد لأن أكتب على أسفل الغلاف الخلفى من جهة اليسار " شكرًا لرجال البريد".


أتمنى لو أنى أفعلها يومًا ما..وأظن أننى سأنفذها ذات مرة، وأعرف أننى لو بدأت فلن أتوقف، سأرسل جوابات كثيرة ساذجة لكل من يشغل فى القلب مساحة، سأخبرهم أمورًا عديدة لا يتسع المجال لحكيها بوسيلة أخرى غير الجوابات، صحيح أن لا وسيلة أدفأ من اللقاء المباشر، لكن ثمة سحر خاص يسكن فكرة أن تكتب بيديك لشخص ما.


ربما ستساعدنى جواباتى تلك فى أن أعبر بشكل قد لا أجيده فى الواقع..بشكل أكثر صدقًا، وأكثر إنصافًا، ولا سوى الكتابة ينصفنى، ولا أكثر منها صدقًا أُعبّّر من خلاله.


وإلى أن أفعلها..ربما سأقدم لكِ اليوم ما يشبه الجواب، ستتسلميه عبر وسيط إلكترونى، بلا طابع..بلا عنوان علي الغلاف..بدون خط يدى، لكنه قطعًا يحمل شيئًا من قلبى، ولتكن هديتكِ في العام الجديد.


عزيزتى رانيا..
كنتِ تضحكين مؤخرًا وتمازيحننى متسائلة: " مش هتكتبى عنى؟"، ربما مضى وقت طويل على مزاحنا ذلك، إلى أن دار بيننا ذلك الحوار اليوم..كررنا مزاحنا مرة أخرى، لكننى تأثرت به هذه المرة، ربما لأننى أعرف أنك على وشك السفر لتلك البلاد البعيدة، صحيح أن سفرك لن يطول، لكننى أصحبت شديدة التأثر بفكرة السفر؛ ربما لتحوله إلى عائق بينى وبين كثير من المقربين لى، صارت فكرة السفر تثير شجونى بشكل كبير، صرت غير قادرة على استيعاب فكرة البعد المادى بينى وأحبائى بفعل تفاصيل جغرافية لعينة..وظروف حياتية لعينة، اقتضت بأن ينتهى الأمر بمطار وطائرة وقارات مختلفة، ربما لذلك تأثرت اليوم للغاية، وأظننى أخبرتك حينها أننى لا أحب لقاءات ما قبل السفر..بل طالما أهرب منها، لذلك يا صديقتى لم أطل ذلك "الحضن"، ولذلك يا صديقتى تأثرت به كثيرًا. 


ربما لتأثرى بفكرة سفرك..أكتب لكِ، ربما لأن تلك المبهجات الصغيرة هى كل ما نحارب به قسوة الدنيا أكتب لكِ، ربما لأننا فى حاجة ماسة لأن نردد على مسامع من نحبهم أننا نحبهم..أكتب لكِ.


أكتب لك يا صديقتى لأخبرك بعضًا مما لم أخبرك به مباشرة من قبل، ربما أنتِ حالة خاصة لم أصادفها مسبقًا فيما يتعلق بطريقتك فى الحزن، تحزني فترفضى الاعتراف لنفسك بالحزن، تواصلين الضحك والثرثرة، تنهى موضوعًا فتبدأى آخر وكأنك تُجّنبى نفسك الانفراد بذاتك، وكأن ثرثرتكِ وضحككِ وسيلتك فى إلهاء نفسك عن التفكير، أبادرك بالسؤال : " أنتِ كويسة؟"، تضحكين أولًا ضحكتك المميزة المصحوبة " بكرمشة طرفى العين"، ثم تجيبى : " لأ والله أنا مش كويسة خالص"، ينتهى الأمر بجلسة فضفضة كوميدية للغاية، رغم دراما جوهر الحديث.


أنظر فى صندوق الوارد على حسابى على الفيس بوك، فأجدك تغنين لى ..تغنين بكتابة كلمات لبعض الأغانى، أضحك من قلبى قبل أن أرد من جانبى بسرد بعض كلمات الأغانى، مرددة فى نفسى : " رانيا مش كويسة " ..وينتهى الأمر برسائل كوميدية متبادلة، رغم دراما ما فى قلوبنا..لكننا نضحك، بفضل طريقتك المميزة فى الحزن.


يبهجنى دومًا وجودك فى المكتب صباحًا، تؤمنى لى صُحبة وونس..وضحك على أى أمر درامى، تأسرنى بساطتك وعفويتك، تسليننى بحكاياتك عن الدنيا والناس، وما تواجهى من مواقف، لا أخفيكِ سرًا بأننى أحيانًا أنفصل عما تحكيه وأركز فى طريقتك فى الحكى لا فيما تحكي، وأرجوكِ ذكرينى بأن أقلدك يومًا لأعكس لك كيف تحكين موضوعاً وأنتِ مندمجة.


أوفى اليوم وعدى بالكتابة عنكِ، ويبقى وعدك بمداومة إطلالتك على صندوق الوارد خاصتى بكلمات أغانى دون أى مناسبة من وقت لأخر، وأرجوكِ " بلاش هانى شاكر".


واظبى يا صديقتى على الضحك ما أمكن، وليكن وسيلتك دومًا فى مقاومة الأوقات القاسية، واظبى على البقاء بسيطة عفوية كما أنتِ، واصلى الغناء وأشهريه  دائمًا سلاحًا فى وجه اكتئابك .

عامك جميل يا رانيا.. مثلكِ :)

الخميس، 24 ديسمبر 2015

بلوتو الدور الرابع 16 - كارت معايدة

عزيزى على..

                  صديقى الفضائى الذى يسكن هنا تماماً..فى أعماق القلب، ويستقر هنا تمامًا فى خبايا وجدانى، برغم المسافات والانشغال، وكل ما يعيق تواصلنا الدائم، لكنك فى القلب والوجدان، ولم ينافسك أحد بعد على مكانتك فى قلبى ووجدانى، ولأ أظن أنه ثمة أحد قادر على المنافسة، أنت هنا دومًا يا صديقى وإن كنت فعليًا دومًا هناك، لكن ثمة رابط خفى سحرى أشعر معه أن هنا وهناك قد ذابا معًا.. أيمكن للوصال يا صديقى أن يحدث بلا وصال؟

                                             أما بعد.. كيف حالك يا صديقى؟


أعلم أن مقدمة خطابى هذا ربما هى الأطول بين جملة ما صغته لك من خطابات، ربما تملؤنى اليوم حماسة مفرطة، تنعكس على كل ما أفعل.. بما فيها ما أكتب.


عام جديد يا صديقى على وشك أن يهل..
صار كل الكلام عن استقبال السنوات الجديدة مستهلكًا..يصيغ المرء بعض الأمنيات، يذكر فى شىء من الأسى بعض التفاصيل المرهقة، نفس السيناريو المكرر.


لذا دعنا اليوم لا نسترسل فى الحكى عن أمنيات نود تحقيقها، أو نواسى بعضنا بشأن أمنيات تعصانا،  أو حتى نُفّند ما تعلمناه من جملة مواقف مررنا بها فى العام الذى أوشك أن يلملم أيامه ويمضى  بعد أن أخذ من أعمارنا ما يزيد عن 350 يوم إلى الآن، وأخذ من قلوبنا ما لا يمكن التعبير عنه بأى وحدة قياس، دعنا فقط اليوم نضع كل ما يؤذى أرواحنا جانبًا، دعنا نتجاوز كل ما يرهقنا لبعض الوقت، وأظنه التحدى الحقيقى يا على، أن نخطف إحساسنا بالحياة من وسط أوجاعها، ربما تعرف يا صديقى أن هذه واحدة من أكبر مخاوفى على الإطلاق: أن أُسلب إحساسى تجاه الأشياء البسيطة التى تُبهجنى، ربما لا أجد تعبيرًا أدق من الخوف من أتحول إلى " موظفة" فى الحياة، أفعل الأشياء لأنه فقط ينبغى لها ذلك، أن تصل لمرحلة البرمجة فى التعاطى مع كل ما حولك ومَن حولك..بلا روح..بلا إحساس، صحيح أنه مع تقدمك سنًا تكبر معك فكرة الاضطرار ..الاضطرار للاستمرار فى ظروف مرهقة لا يتُاح لك فيها رفاهية الهروب، تدرك حينها أنك لا تملك رفاهية " مش لاعب" ، وتجد أن التوقف عن كل شىء والانزواء بمفردك أصبح ترفًا أمام قائمة من المسئوليات التى تنتظرك لانهائها، إلا أنه يبقى لنا فى النهاية الجهاد من أجل أن نلوذ ببعض  اللحظات  الدافئة تحت أى ظرف.


وصدقنى الأمر به جهاد حقيقى، لكن نتائجه تستحق إرهاق الكفاح، هل تود مثال لتقريب وجهة نظرى؟ إليك هذا: أخبرتني أكثر من صديقة ممن يجاهدن مع فكرة كونهن أمهات جديدة، أنهن بعد نوبات من الاكتئاب والنوم المتقطع والابتعاد عن روتين حياتهن؛ تحت وطأة مراعاة صغارهن، نجحن فى تحسين حالتهن المزاجية من خلال استعادة بعض الأوقات المحببة للقلب، حتى وإن تطلب الأمر تقليص عدد ساعات النوم المتقلصة من الأساس، من أجل أن يحظين ببعض الوقت لأنفسهن..لأنفسهن فقط، منهن من استيقظت ساعة مبكرًا للاستمتاع بحمام دافىء وكوب قهوة، منهن من تستيقظ مبكرًا لتكتب، وأخرى لمشاهدة فيلم، بدا الأمر لهن مرهقًا فى البداية، كن يفضلن النوم عن أى شىء سواه، لأنه وحده كان الأجازة المتاحة من الأمومة لبعض الوقت، ومع الوقت اكتشفن أن الحياة هكذا تُهدر منهن، كافحن من أجل تقليص ساعات النوم لينعمن بساعة واحدة فقط تشعرهن بالحياة، هل فهمت قصدى يا صديقى؟.


أنا أيضًا قد أتخذت قرارى منذ فترة قريبة، وأظنه يحرز تقدمًا لا بأس به، قررت يا على الفصل بين عملى وحياتى، وألا يصبح عملى كل حياتى، وألا تتمحور حياتى حول عملى، كنت فى وقت سابق أنتهز فرصة يوم الأجازة لإنجاز بعض مهام العمل المتأخرة، صار أسبوعى موصولاً ببعضه، فلا فارق بين يوم عمل ويوم أجازة..أعمل فيهم جميعًا، صار الإحساس بالذنب يتملكنى إن أمضيت أجازتى بلا إتمام بعض مهام العمل، صرت أكثر حدة وأكثر عصبية، مع الوقت بدأت أعيد ترتيب أوراقى إلى أن وصلت لقرار نهائى بأنه لا مساس بيوم الأجازة، ولتذهب كل الأشياء الجادة للجحيم.. على الأقل فى هذا اليوم، صرت بعدها أقل إحساسًا بالذنب، وأقل قسوة على نفسى، وأراه الآن حقى الطبيعى فى الحياة: أن أحظى ببعض الوقت لترميم نفسى لأتمكن من المواصلة.


ما أود قوله لك من كل ما قلت هو: ابتهج يا صديقى .. ربما ستكون هذه هى معايدتى لك فى العام الجديد، ابتهج رغم أى وجع، لا تستسلم لتجّهم مَن حولك الذى يُشعرك أنه ينبغى أن تكن مثلهم، وإلا فأنت فاقد للإحساس، أو إن  "فيك حاجة غلط " إذا ما تسللت بهجة ما إلى قلبك أيًا كان سببها، فى حين أن العالم غارق فى البؤس، صحيح أن الحياة قاسية وتطحننا يوميًا، وصحيح أن كل منا فى صراع من نوع ما إن أظهر ذلك أو أخفاه، لكن فقط علينا تذكير أنفسنا بأن لأرواحنا علينا حق، ابتهج يا صديقى أيًا كان السبيل لذلك، وتذكر ما يُقال بأن السعادة لا تحتاج إلى استحالات كبيرة، وأن أشياء صغيرة قادرة على أن تهزنا فى العمق، ابتهج بكتاب جديد.. بمزيكا حلوة..بالغناء وإن كان صوتك نشازًا ..بمباراة كرة.. بفيلم سينما.. بلحظة دافئة مع أشخاص تلمس قلبك.. بالتنزه سيرًا فى طقس جميل.. بتفريغ زحام عقلك من خلال مشاهدة حفلة الست على روتانا كلاسيك،  أضف للقائمة ما شئت يا صديقى وفقًا لميولك وأهوائك، ضع فيها ما شئت حسب حياتك فى بلوتو..لكن فقط لا تنس نفسك، تكفينا قسوة الحياة، فكفانا قسوة على أنفسنا.


دمت تشعر بالحياة يا صديقى وتستشعر معناها ما أمكن.. دمت طيبًا يا صديقى فى عامك الجديد وفى كل الأعوام.
                                                                          
                                                                      من كوكب الأرض ..مع تحياتى،،

الجمعة، 4 ديسمبر 2015

من وحى حمص الشام

ديسمبر شهر دافىء  رغم برودة الطقس النسبية التى يشهدها.. دافىء لسبب ما غير معلوم؛ ربما تسكننىا فيه سكينة الاستسلام لحقيقة  "إن كله بيعّدى" .. ندرك فى ديسمبر أن عامًا قد انقضى بكل ما فيه من أشياء أثقلت القلب، وانتقصت من سلامنا النفسي، سواء إن كانت انقضت على نحو تمنيناه  أو لا، لكنها انقضت، هكذا ببساطة.. انقضت ومضت، ومازلنا أحياء ولم نمت برغم  كل ما رحل عنا بلا رجعة، وكنا نحسبه وحده القادر على إمدادنا بأكسير الحياة.



ديسمبر شهر محبب رغم أن الإحساس بانتهاء شىء ما  يثير دومًا فى النفس شىء من الغصة، لكن ديسمبر يكسر القاعدة، تنتهى فيه سنة، ويولد مع انتهائها الإحساس بأنه مع كل نهاية تولد بداية جديدة، يأتى ديسمبر ليلملم ما تبقى من الأيام، ويمنحنا فى الوقت ذاته أيامًا جديدة، واحتمالات متعددة، وآمال تنتظر تحقيقها.

ربما يخلق ديسمبر فى قلبى إحساس موازى لما تغّنت به أم كلثوم عن ليلة العيد حينما قالت: " وجددتى الأمل فينا".. يجدد  ديسمبر دومًا الأمل فى قلبى.




أفكر فى كل ذلك بينما تقودنى  لسعة برد ديسمبر المحببة باتجاه المطبخ، على الموقد أجد أمى قد أعدت لى حمص الشام الدافىء، فيزداد إحساسى ببهاء ديسمبر، التفت باتجاه حمّالة الأطباق، وفى حركة لا إرادية على طريقة "حافظ مش فاهم" تمتد يداى لالتقاط المّج المزركش المعتاد، ثم شعرت أنه من غير اللائق أن أسكب حمص الشام فى ذلك المّج الأنيق؛ لا تتلائم أبدًا أناقة المج مع الجو النفسى الذى يتطلبه احتساء كوب حمص الشام، ثم أن التعبير نفسه يكشف أنه لا يجوز، فلا أذكر أننى سمعت يومًا أحد يقول " نفسى فى مج حلبسة".. إذن فلنعيد للأشياء أصالتها وأصلها، ولتذهب الحداثة للجحيم، مع الاعتذار لمّجي المزركش المحبب الذى لا يليق به إلا النسكافيه.. ذلك المشروب الارستقراطى.


تدراكت يدى ما يدور فى عقلى، فاستجابت سريعًا للإشارات القادمة لها من المخ، وانتقْلت سريًعا للصف الأول من حمالة الأطباق، حيث يستقر ذلك الكوب الزجاجى.



انتهى بى الأمر جالسة على ذلك المقعد الخشبى الصغير الموضوع فى المطبخ، ممسكة بكوب حمص الشام، ومفسحة المجال ليداى لتذوب فى دفء الحرارة المنبعثة منه، أتذكر جدالى السابق مع أمى؛ لتمسكى بذلك المقعد البائس وتوسلي لها بعدم التخلص منه، إحقاقًا للحق وإنصافًا لأمى، فهو ليس جميل شكلًا، لكننى أحبه للغاية، بلا أى سبب وجيه، ألا يقولون أن الحب في إجماله إذا عُرف له سببًا فسيزول بزوال السبب؟، أخبرت أمى حينها أن الأمر أكثر تعقيدًا من أن أشرحه، ثم شعرت بسذاجة الموقف وأنا أخبر أمى أننى أحب ذلك الكرسي وأن الأسباب يتعذّر عليّ شرحها..أذكر نظرة أمى لي حينها، وربما وافقت على ترك الكرسي فى مكانه بعدما "استعوضت ربنا" في عقل ابنتها، لكننى شعرت حينها بلذة الانتصار، ولسان حالى يردد ما قاله فتحى عبد الوهاب في فيلم كباريه: "الكلام بيجيب نتيجة".



ارتشف قليلًا من حمص الشام اللذيذ، وأفكر أنه لا يوجد ليمون بالمنزل، بالقطع حمص الشام بالليمون أحلى، لكننى ركلت تلك الفكرة سريعًا من رأسي، وعزمت النية على أننى لن أسمح لأى منغصات بأن تعكر صفو الاستمتاع بالحدث الجلل: أنا على مقعدى الصغير البائس ممسكة بكوب حمص شام في ليلة من ليالى ديسمبر المحببة.



قررت حينها أن أسجل إحساسي كتابًة، وأن أدون أنه فى تلك الليلة بينما كنت أحتسي كوب حمص الشام فى إحدى ليالى ديسمبر المحببة أتخذت عدة قرارت مهمة للغاية تشمل: أننى سأتمسك لأخر نفَس بذلك المقعد البائس طالما أنه يعنى لى شيئًا جميلًا، حتى وإن لم يتفهم الآخرون ذلك، وحتى إن لم أكن قادرة على شرح مكانته فى قلبى، فلا يهم الشرح بقدر ما يهم الإحساس بالمعنى، بل ولن أسمح بوصفه بالبائس، لأن أى شىء يخلق فى نفس المرء معنى جميل لا ينبغى له أن يكون بائسًا، سأدون أيضًا أننى لن أسمح لنقصان الليمون أن يسرق منى لذه الاستمتاع بكوب حمص الشام، صحيح أن الليمون كان سيضفى نكهة أجمل، لكن تفويت الاستماع بكوب حمص الشام نفسه اعتراضًا على عدم وجود ليمون ..حماقة وغباء منقطع النظير.


  أظن أن الكرسى الخشبى الصغير خاصتى، والليمون قد أهداننى درسًا  حياتيًا مهمًا فى تلك الليلة: نحتاج التمسك بما نحب وإن اعترض الغير أو إن لم يتفهموا ذلك .. ونحتاج ألا نفسد بهجة الاستمتاع بما نملك بالتحسر على ما ينقصنا.

الخميس، 19 نوفمبر 2015

ما وراء الطفولة

ربما جاوبتنا علوم ما وراء الطبيعة والفيزياء، وكل تلك العلوم المختلفة بفروعها المتعددة التى لم أتمكن  يومًا من التفرقة بينها على نحو دقيق، فلم أفهم أى علم يهتم بماذا بالضبط؟ تتداخل حدود العلوم وتُربكنى، فلا أعى ما يتعيّن علىّ  فعله إن استعصت نقطة ما  فى هذا الكون على فِهمى، فى أى علم سأجد الإجابة..أين أبحث لتتلاشى علامات الاستفهام ويزول الغموض وأهتدى للإجابات؟


ربما قدمت لنا هذه العلوم الأجوبة وفسروا لنا كل ما نعانيه ونعانى منه، ولأننا لم ننتبه جيدًا، ولأن تلك التفاصيل المعقدة لم استسغها يومًا، ولم يستوعبها عقلى كما ينغى..فاتتنى الإجابة وظلت علامات الاستفهام بلا تلاشى..وبقت الأسئلة بلا حسم.


عشت عمرًا وأنا يُربكنى أن أصادف موقف أشعر أننى قد عايشته من قبل بشتى تفاصيله،  ليخبرنا العلم بأن ظاهرة الديجافو ترجع إلى خلل  ما فى الذاكرة والأعصاب ..ثم بعض التفاصيل  العلمية المعقدة.. لكنه - أى العلم- يمتلك الإجابة ..هكذا ببساطة.


ربما كل ما نعانيه أيضًا له تفسيره العلمى، ربما تستأثر التفاصيل العلمية المعقدة  بالإجابات لمن يستسيغون فهم طلاسمها، وتتركنا حياري.


قياسًا على الديجافو، قد أكتشف يومًا أن ثمة تفسيرعلمى لما كنت أفعله فى ذلك الزمن البعيد وأنا طفلة، حينما كنت أتصور نفسى مُعلّمة فأطيح ضربًأ في كل الوسائد والمقاعد بالمنزل، يبدو الموضوع أعمق من كونه ترهات طفولية عايشها كل صغار السن.. يبدو أننا كنا نُمهّد لما سنلاقيه فى شبابنا، حينما تعصانا بعض الأشياء المحببة..تتوه منا فى الزحام..نبذل مجهودًا خرافيًا للحفاظ عليها والتمسك بها.. يصبح الموضوع تعجيزيًا ومرهِقًا ومستنزِفًا، نعيد الكَرة..نستعيدها أحيانًا..ثم تهرب منا مرارًا وتتوه في الزحام، ثم نعيد البحث عنها..ثم نُرهَق ونُستهلَك ونمِلّ،  أتمنى كثيرًا لو أن كل تلك الأشياء المحببة إلى قلبى..لو أن كل تلك الأوقات الجميلة..لو أن كل الأشياء المعنوية كان يمكن الإمساك بها ..لا للإبقاء عليها.. وإنما لأطيح فيها ضربًا يوازى كل ذلك الإرهاق النفسى الذى عايشته وهى تراوغنى.


يبدو أننا كنا أطفال ذوى رؤية ثاقبة..ونجيد قراءة المستقبل، وقد يثبت لنا يومًا العلم الحديث ذلك.


لكن هل بإمكان العلم أن يقدم لى إجابة بشأن معايشة أحاسيس طفولية فى عمر كبير؟ ربما طمأنتنى صديقتى بما كتْبته يومًا على الفيس بوك بأننى لا أعانى انحرافًا فى مشاعرى، حينما كتبت: " حساها معيلة أوى..بس أنا عايزة ماما"، بادرت وقتها  بالتعليق على ما كتبته: " دى مش معيلة على فكرة" ..ربما أُطمئن نفسى الآن بتذكر تعليقى فأتمتم لنفسى " دى مش معيلة على فكرة..دة إرهاق ..وتعب"، وكما قال عمر طاهر يومًا " الاعتراف بالتعب لا يدين أى شخص، بل يجعله مجاهدًا..مادام صامدًا". 


إذن ربما يمتلك العلم إجابة عن كل صباح أشعر فيه كأننى طفلة لا تريد إلا أن تنزوى فى ركن لتبكى احتجاجًا على الذهاب للعمل ومواجهة العالم، صحيح أننى لا أذكر أننى كنت أبكى وأنا طفلة عند ذهابى للمدرسة، لكن أمى قد أخبرتنى بذلك، وبدورى يمكننى أن أؤكد لها أننى أعايش الإحساس ذاته فى سنى هذا، بلا مَريلة أو مدرسة، وأحيانًا بلا دموع، ومع ذلك يتطابق الإحساسان، هل يمكن للعلم أن يفسر كيف يتطابق تمامًا إحساسان فى ظروف مختلفة؟ أو هل يمكنك يا أمى أن تخبرينى ماذا كنتى تفعلين معى وقتها؟ 

الجمعة، 6 نوفمبر 2015

أنتِ مش زى الجميع

لو كنتِ ستقرئين هذه السطور..لو كان  فقط نظرك سيسعفك للملمة هذه الحروف، لعلمتى أنكِ دائمًا وأبدًا اختيارى الذى لا أتردد فيه أبدًا، وأنكِ يا جدتى قصتى التى لن أمّل أبدًا من ترديدها.



ربما علّمتينى دون قصد منك عدة أشياء تركت أعمق الأثر فى نفسى، علّمتينى أن أعظم الأشياء فى حياتنا قد تأتى على هيئة بسيطة جدًا..مثلك تمامًا، ربما كل ما استقر فى ذهن المرء عبر سنوات عمره  بشأن الأشياء الكبيرة..العظيمة، قد ضاع هباءً أمام هذه الحقيقة..أمامك، تبيّن يا جدتى أن الشىء الذى يستحق الاحتفاء به حقًا يأتى إلى حياتنا فى هدوء..بلا ضجة أو صخب كما كنا نتصور، هل تعرفين ما قاله يومًا "واسينى الأعرج" عن السعادة، حينما قال أنها لا تحتاج إلى استحالات كبيرة، وأن بإمكان أشياء صغيرة أن تهزنا فى العمق، يبدو أن الأمر ذاته ينطبق على الأشخاص، وأن أجمل مْن يصادفوننا فى حياتنا، ويهزوننا من الداخل، هم هؤلاء الذين كان دخولهم لحياتنا هادىءً، فلم نعيرهم انتباهنا الكافى، لنكتشف مع الوقت أن بساطة تواجدهم حولنا..بساطة مشاركتهم لنا فى شتى تفاصيلنا العادية جدًا هو أجمل وأعظم ما قد حدث لنا يومًا، وأنتِ منهم يا جدتى..أنتِ أولهم، وهم قليلون..قليلون للغاية بالمناسبة،  قليلون لأن الأشياء العظيمة لا تتكرر بسهولة، وقد تضيع إن لم نلتفت لها؛ لأنها كما تدخل حياتنا فى هدوء دون جلَبة.. ترحل بهدوء وفى صمت.



تذكرتك اليوم والسماء تمطر، كنت أريد الخروج للتنزه قليلاً، لكننى تراجعت؛ خشية أن تشتد نوبة الاتفلونزا اللعينة، تذكرتك حينما كانت السماء تمطر العام الماضى، ثم ظننت أنك ستعّنفينى للخروج فى مثل هذا الطقس المضطرب، كنت أخبرك حينها على استحياء أننى سأذهب لحضور مسرحية مع بعض الأصدقاء، لتفاجئيننى بتشجيع اندهشت له كثيرًا، لدرجة أننى بعد أن وصلت إلى باب الشقة عدت لكِ مرة أخرى متسائلة: "هو أنتِ ليه بتقوليلى أخرج والدنيا برد كدة"، لتبادرينى قائلة: " عشان عايزاكى تتبسطى"، أتذكر جيدًا أننى قبّلت رأسك ويدك حينها..لهذا يا جدتى أحبك، ولهذا يكون الحب فى مجمله: تشجيع.. ودفع للآخر فى اتجاه ما يحب..ثم سعادة لمجرد سعادة الآخر، الحب يا جدتى إيثار، وأظننى تعلمت ذلك منكِ.



أكتب عنك الآن بينما يأتينى صوت منير فى الخلفية، وكأنما علم أن الحديث عنكِ وحولكِ، فبادرنى بجملة أنتِ مش زى الجميع" لأضيفها،  فابتسم وأصّدق على كلامه..نعم " أنتِ مش زى الجميع".