الجمعة، 6 نوفمبر 2015
الثلاثاء، 3 نوفمبر 2015
طعم الحاجات
يرن منبه هاتفى المحمول ليقطع ساعات نومى المتقطعة من الأساس ..
صباحات متكررة أجدنى فيها مثقلة بعض الشىء، أشعر كما لو أن عبء الليل الطويل الذى يهرب فيه المرء من بعض الأفكار ويراوغها وتراوغه يُسلمنى تسليم أهالى إلى عبء يوم مُسجى طويل يتعين على المرء مواجهته، ثم يتبادل اثناهما الضحك علىّ فى ضحكات متقطعة شريرة..بينما أقف أنا متعبة غير قادرة على الفرار أو المقاومة، فاستكين تمامًا لتلاعبهما بى.
أشرد بعض الشىء فأتذكر مقولة رضوى عاشور: " يبدو الذهاب إلى العمل، أو الخروج من البيت مهمة مستحيلة..أتحاشى الخروج ما أمكن..أتحاشى الناس، وأشعر بالوحشة لأننى بعيدة عنهم فى الوقت نفسه..لحظة استيقاظى من النوم هى الأصعب، حين أذهب إلى العمل وأنهمك فيه، يتراجع الخوف كأنه كان وهمًا، أو كأن حالتى فى الصباح لم تكن سوى هواجس وخيالات"* .
تطل على رأسى عبارة رضوى بكثرة مؤخرًا..وأحسبها منصفة إلى حد كبير فى التعبير عن حالة الصباح الرمادية التى تكرر سقوطى ضحية لها فى الآونة الأخيرة.
يحين موعد الذهاب للعمل ..أتلكأ كثيرًا، كما لو كنت سأضلل الوقت..كما لو أنى طفلة تراوغ فى الذهاب لطبيب الأطفال، أو تهرب من موعد اختبار فى المدرسة فتتمنى لو أن اليوم عطلة..لو أنه فقط لم يكن فى هذا اليوم مدرسة أو اختبار.
أتحجج بعض الشىء فأطيل الوقت المخصص لاحتساء مج النسكافيه الدافىء..يمكنى اختلاس بعض الدقائق للاستماع لبعض الموسيقى ربما، أنغام خيار مثالى لتلك الأيام الخريفية..أنغام خيارى المثالى فى كل الأيام على الأرجح.
تمتد يدى لأفتح خزانة ملابسى.. أقّلب بيدى أغراضى، ابتسم رغمًأ عنى حينما تأتى يدى على تلك الحقيبة التى أهدتنى إياها صديقة، لم نعد نلتقى كثيرًا، فلم تسنح لى الفرصة لأخبرها كم أنقذتنى هذه الحقيبة فى مناسبات عديدة، خاصةً مع حجمها الكبير..سافرت بها لقضاء أجازة الصيف..لملمت فيها أغراضى الخاصة التى كنت أخشى ضياعها وأنا انتقل لمسكن جديد.. استخدمتها يوم زفاف صديقة عمرى، تتسع ابتسامتى وأنا استدعى كل تلك المواقف التى شهدت الحقيبة عليها، وعاصرت حدوثها..الحقيبة ذات الدوائر الملونة..المبهجة.
أرتدى ملابسى بينما أردد مع أنغام بعض كلمات أغانيها..أندمج بعض الشىء فأنظر للمرآة وأغنى بأداء تمثيلى، ثم أدرك أننى سأتأخر، فأتوقف وأترك لأنغام المجال لاستكمال الأغنية وحدها.
ربما سأحتاج ملابس أثقل..بدأ الجو يبرد قليلًا، ويزعجنى حلْقى بعض الشىء مُحذرًا من احتمال إصابتى بنوبة أنفلونزا..أعيد فتح خزانتى..أبعثر ملابسى يمينًا ويسارًا بحثًا عن قطعة يمكن إضافتها لملابسى فى حال شعرت ببرودة الجو، ابتسم مرة أخرى متأثرة وأنا التقط ذلك الشال المحبب لقلبى..هدية صديقة الطفولة والشباب والعمر، ربما لم أخبرها أيضًا من قبل كم أنه يُدفئنى معنويًا قبل جسديًا..أهدتنى إياه حينما كنت أبحث عن شال لأبتاعه منذ سنتين، فالتقطت هى نيتى ثم سارعت بشراء واحدًا لى، لهذا يُدفئنى؛ لأنه يحيط جسدى باهتمامها، يبقى المعنى دومًا حاضرًا حتى وإن كانت تفصلنا الآن العديد من التفاصيل الجغرافية اللعينة.. ابتسم مرة أخرى..وأتأثر بشكل أعمق، ثم أغلق خزانتى.
أعيد تشغيل نفس الأغنية مرة أخرى، مع مشاركة سريعة لأنغام بالغناء، ثم استكمل ارتداء ملابسى أمام المرآة، التقط ساعة يدى من ذلك الدرج، فتقع عينى على عقدى الأسود ذا الحبات اللامعة..أهدتنى إياه أيضًا صديقتى المقربة فى زيارتها الأخيرة قبل السفر، أعاود الابتسام أو بالأحرى التصقت على شفاهى ابتسامة بلهاء عريضة ..وأنا اتجول بعينى بين أغراضى فاكتشف أن كثيرًا من أغراضى البسيطة المحببة لقلبى تم إهدائها لى من أصدقائى..هذا المج المزركش..تلك النوتة الرقيقة..القطع البلاستيكية الملونة المبهجة التى أميز بها صفحات الكتب التى أقرأها..بل ومجموعة الكتب تلك فى حد ذاتها كانت هدية.. المصباح الضوئى المفّرغ ليلقى بهذه الفراغات على الحائط مًشّكلًا بظلها رسمًا أذوب فى أبعاده.
اشعر فى هذه اللحظة تمامًا أن غرفتى جميلة وأن أغراضى المتناثرة بها هنا وهناك لها طعم.. أشعر أن قلبى دافئًا..وأن أنغام صوتها صار أحلى.
أغلق غرفتى..اتجه لعملى..وأنا حقًا مبتهجة كما لو أننى محتفظة فى غرفتى بأصدقائى لا بهداياهم، أتذكر قول رسولنا الكريم : " تهادوا ..تحابوا"، فأتمتم: صدقت سيدى.
* الاقتباس من رواية " فرج".
الجمعة، 23 أكتوبر 2015
تجربة ال 30..إلا عامين
لا أعلم إن كان مسموح لى بالتنظير حول سن ال 28، أم أنه لا يحق لى الكلام قبل "تقفيل" ثلاثة عقود بالتمام والكمال.
كل أصدقائى ممن يكبروننى سنًا شًكل لديهم سن الثلاثين تجربة مختلفة، ربما هى المرحلة التى تتلقى فيها لسبب ما أول صفعة حياتية تخبرك: " مبقتش صغير"، الثلاثين هى التجربة التى تدرك حينها - على حد وصفهم- أنك مطالب بتقديم كشف حساب ما للمجتمع، عليك أن تبرر للمجتمع أين كنت خلال السنوات المنقضية من عمرك، وماذا حققت فيهم، لا أعلم تحديدًا من أقر ذلك..لكن بالفعل اشترك جميع أصدقائى فى الإحساس ذاته..تسلل إليهم جميعًا، وربما صحب معه شىء من الإكتئاب لدى بعضهم.
لم أبلغ الثلاثين بعد..ولا أعرف ماذا سيكون شعورى حينها -إن كتب لى الله العمر-، لا تفزعنى الأرقام فى حد ذاتها ولا ألق بالًا لفكرة الفزع من التقدم سنًا وما حققته وما لم أحققه، لا أشعر أصلًأ بأنه ينبغى تحقيق شيئًا بعينه قبل سن معين، أتجنب قدر الإمكان الاستسلام لهذا الهلع المجتمعى المسيطر على الكثيرين بأننا فى سباق وعلينا أن نلهث جميعًا.. يجب أن نجرى " علشان نلحق"، لا أعلم كينونة ذلك الشىء الذى يجب أن نجرى لنلحق به، كل ما أعلمه أن الجرى مرهق، وأننا لسنا مضطرين للجرى مالم يكن نتاجًا لرغبة حقيقية منا، أما فكرة الجرى لمجرد إن " كله بيجرى" لم استسغها قط، ربما تنتهى دومًا نقاشاتى مع بعض الصديقات فى هذا الأمر باتهامات صريحة لى بأنى حالمة ..غير واقعية، صياغات مهذبة منهم لما استشعرهم يودون قوله لى ويمتنعون تأدبًا: " أنتِ مغفلة".. لم يثبت بعد مَن منا قد جَانبه الصواب " ومين اللى فاهمها صح"، فى الواقع أدرك أننا جميعًا مضحوك علينا بشكل أو بأخر، ولا يمتلك أى منا صياغة مثلى لحياته، ربما أنا وهم على قدر من الصواب والخطأ معًا فى نفس الوقت، كلٌ وفق تفكيره وأولوياته والمفاهيم التى يقرها عقله للحياة بمناحيها المختلفة ويرتضيها لنفسه.
أنا على وشك بلوغ ال 28 .. ولسبب ما، أحسبها تجربة حياتية مختلفة تستحق التوثيق؛ ربما لأنه سنًا لمست فيه تغييرات حقيقية فى شخصيتى ومفاهيمى التى صغتها تجاه الدنيا والناس، صحيح أن جزء كبير من تلك المفاهيم ثبت سذاجته، لكن ربما اكتشاف سذاجتك هو أول الطريق نحو الحكمة، قياسًا على قاعدة " اقترافك للخطأ هو الوسيلة المثلى لمعرفة الصواب".
أحببت النصف الثانى من العشرينات رغم صعوبته.. رغم أنه فعلًا سن ملبد بكثير من التخبط والتوهان والسير بخطى ثابتة نحو شيئًا لا تعرفه؛ لأنك أصلًا لا تعرف ما هى الجهة التى ينبغى سلكها، والمضمونة نتائجها..فى الواقع ستكتشف أن لا شىء مضمون أصلًا ، وأن كل تجاربنا اجتهادات لا أكثر وقد يصدف أحيانًا أن تكن محصلتها إيجابية فنتصور أننا " كنا حاسبينها صح".
النصف الثانى من العشرينات هو البداية الحقيقية للدوران فى حلقات مفرغة مرهقة للغاية، ربما يكن طريقك أسهل خلال سنوات الدراسة..تنتهى سنة دراسية فتبدأ الأخرى دون أن تنشغل كثيرًا بما ينبغى عليك فعله سوى الانتقال للسنة الدراسية الجديدة..فجأة تنتهى كل سنوات دراستك فتشعر بأنك " هنّجت" ولا تعرف ما الذى ينبغى فعله فيما بعد، هنا تمامًا تبدأ مرحلة " هو إيه اللى المفروض يحصل دلوقتى"، وفى الواقع..لا أحد يخبرك أبدًا بالمفروض..أو ربما يقدمون فقط اجتهادات قد لا تناسب حياتك.. وبين الحالتين تبدأ تجربتك الحياتية الحقيقية التى تشّكلك فعلاً وأنت تجتهد لتضع قدمك على الطريق الذى لا يخبرك أحد عن الوصفة المؤدية إليه بدقة..فتتوه بعض الشىء..تتوه كثيرًا على الأرجح، ثم تواصل تجربتك الحياتية تشكيل نفسها وأنت تجتهد لتستقر على مدى مناسبة تلك الاجتهادات التى يقدمها لك الآخرون لتصل لوجهتك.. هل ستثق فى وصفتهم لبلوغ الطريق؟ ماذا عن ثقتك فى اختيارك أنت إن اخترت المغامرة وتجربة طريق أخر؟ هل ستتحمل نتيجة أن تكتشف بعد مشوار طويل أنك سلكت الطريق الخطأ؟
لهذا تماماً أحببت النصف الثانى من العشرينات..رغم قسوته وصعوبته، تجد أنك صرت أكثر تقبلًا لفكرة أن التوهة جزء من بلوغ الطريق.. وأكثر تصالحًا مع أنك قد تسلك الطريق الخطأ من الأساس، لن تعد قاسيًا على نفسك كما كان الحال فى سن أصغر، ستدرك أن السعى للكمال أمر مرهق للغاية، بخلاف أنه خيالى جدًا وأفلاطونى.. تتعايش مع فكرة أنه ليس بمقدورنا السيطرة على كل شىء في كل وقت.. تصبح أكثر امتنانًا لكل تلك الصفعات الحياتية التى تضيف لرصيد خبراتك وتصقلك، فلن تجرى لتبكى نفسك فى غرفتك؛ أسفًا على قسوة العالم الملىء بالأشرار..ستعى تمامًا أن العالم قاسى فعلاً..وأنه ملىء بالأشرار، وأنه يتحتم عليك قبول ذلك والإقرار به والتعامل على أساسه، ستعى أيضًا أن تعاملك مع شتى الأمور بجدية بالغة سيصيبك بعدة أمراض مبكرة، فتصبح أهدأ، وإن حالفك الحظ، ستفسح مجالًا أكبر للاهتمام بنفسك.. وإسعاد نفسك قبل أن تحولك تلك السخافات التى تأخذها على محمل الجد إلى كهل فى العشرينات..أو أضعف الإيمان إلى شاب بلا روح.. ممتلىء بالخواء.
فى النصف الثانى من العشرينات ستكتشف أنك للأسف فقدت صداقات كنت تحسبها أقوى، رغم حرصك على ألا يكن خيارك فى يوم ما أن تدير ظهرك وتمضى بعيدًا، صحيح أنه ربما لن تعد لديك تلك الحماسة لاكتساب صداقات ومعارف جديدة، لكنك ستدرك أن الأهم بذل الجهد أولًا للحفاظ على الدوائر المقربة التى "تستحق " مجهوداتك وربما تنازلاتك فى بعض الأحيان.. ثم لا مانع بعدها من شىء من الانفتاح للانخراط مع الآخرين، لكن لسبب ما تكتشف أن كل العلاقات الجديدة " دبلوماسية" لا أكثر.
لسبب ما سيتراجع مع تقدمك سنًا عشمك فى الآخرين أيًا كانت درجة قربهم..وهو مفهوم رغم قسوته إلا أنه مشرق فى جانب منه؛ حيث يزداد مع تراجع عشمك فى الآخرين مدى اعتمادك على نفسك بصورة أكبر.
اقترب من الثمانية وعشرين وأنا أكثر هدوءًا فى التعامل مع الحياة، وامتنانًا لتقلباتها غير المحسوبة، ورفقًا بنفسى.. واعتقد إنه إذا كان بالإمكان تلخيص تلك المرحلة العمرية فى عبارة واحدة ستكون: " سن التوهة الجميل" ..توهة لكل ما ذكرته سلفًا..وجميل لأنها توهة تقربك أكثر من نفسك ..ومن الطريق .
الخميس، 1 أكتوبر 2015
يا أبو الطاقية..أنا قلبى معاك *
كنت حينها أبلغ من العمر أحد عشر عامًا، أو ربما أثنى عشر عامًا..لا أتذكر على وجه الدقة، ولكننى أذكره جيدًا، من بين ضبابيات الذاكرة، وتداخل تفاصيل الأشياء العالقة فى ذهنى من ذلك الزمن البعيد، بقى هو ساكنًا فى وجدانى بلا أى تشويه.. ذلك الخواجة الخمسينى " أبو طاقية بنى "..وتى شيرت فاتح اللون فى معظم الأحيان..ووجهًا رائقًا لم تعبث به هموم الدنيا، ولم تفلح الأيام فى نزع ابتسامة تعلوه..ابتسامة ودودة للغاية يشهرها فى وجه كل مَن يقابله.
كان صديقًا لخالى، يأتيه ليكتب له خالى على الكمبيوتر قصصه التى يؤّلفها..كان الخواجة كاتبًا..كاتبًا عظيمًا - على الأقل بالنسبة لى - يكتب قصصًا قصيرة جميلة.
كان قادرًا على أن يلمس روحى بكلماته التى أقرأها خلسة فى مكتب خالى الذى يقطن معنا فى نفس البناية آنذاك، كنت أتسلل لغرفة المكتب تلك وأفتح الأوراق التى تركها بخطه؛ ليكتبها خالى، فأذوب مع تفاصيلها وأضحك..أضحك بشدة، وانبهر من قدرته الفائقة على التخيل.
أذكر أن إحدى قصصه كانت تدور عن "صراصير" احتلت مسكنًا، فملأته عن آخره، صارت تتجول فى المنزل غير عابئة بسكانه، إلى أن صار سكانه أيضاً لا يعبأون بهم، تأقلم بنى البشر مع قبائل الصراصير، وصار فقط على كل منهما تنظيم حياته فى وجود الآخر، فكان الزوج والزوجة يجلسان معًا لاحتساء شاي العصارى، واضعين أيديهما على حافة الكوب؛ لكيلا يسقط صرصار فى أى منها، لم تكن القصة مقززة على الإطلاق، بل كانت كوميدية للغاية.. كانت لوحة فنية فى هيئة كلمات، تقرأها فتستحضر الصورة وكأنك ترى مشهد من فيلم، فضلاً عن خياله اللا محدود الذى يصحبك معه فى سفرة لما هو أبعد من الممكن..الممكن تخيله.
كنت حينها أبلغ من العمر أحد عشر عامًا، أو ربما أثنى عشر عامًا..لا أتذكر على وجه الدقة، لكننى أذكر أن قصصه كانت مزيجاً رائعاً بين السرد بحرفية أديب متمكن، وطرافة عجوز لم يعد يرى فى الدنيا إلا نكتة، أو ربما لم يعد يرى الدنيا إلا نكتة.
كنت حينها أبلغ من العمر أحد عشر عامًا، أو ربما أثنى عشر عامًا..لا أتذكر على وجه الدقة، لكننى أذكر أنى كنت أتعمد أن أفتح له الباب إذا علمت أنه سيمر على خالى فى موعد محدد، كنت أفتح الباب، لأفوز بتلك الابتسامة الودودة للغاية، التى يهدينى إياها مع ميل خفيف برأسه فى اتجاهى؛ ليرسل لى تحية بطاقيته المميزة.
لم يكن الخواجة أجنبيًا بالمناسبة، ولكن كانت هيئته توحى بذلك، احتفظت به في ذهنى على أن اسمه " الخواجة"، ولم اهتم حتى بسؤال خالى عن اسمه، لا أذكر أننى تحدثت أصلاً مع خالى بشأنه، ربما لأن أكثر الأشياء التى تلمس قلبك فعلاً..يشوهها الكلام .
* العنوان مقتبس من أغنية لمحمد منير
الخميس، 10 سبتمبر 2015
يو هاف جوت ميموريز
كانت ميج رايان إلي جواري طوال اليوم..
عرضت ميج متجر الكتب الذي توارثته عن أسرتها للبيع، وما إن أفرغت المتجر من محتوياته إلا ورأت نفسها طفلة تراقص أمها في المتجر كما الأيام الخوالي..كانت تسترجع لحظات جميلة قضتها فيه، اضطرتها الظروف لبيعه..فباعته، ولكن أبت الذكريات أن تتركها إلا بعد أن تتحرش برأسها بعض الشئ؛ لتكتمل الدراما.
هل يمكن أن يتم بيع الأماكن التي احتوتنا طويلًا دون أن تكن المواجهة مع ذكريات العمر المنقضي فيها هي ضريبة المبيعات التي يسددها أصحابها؟
مشهد هامشي في فيلم you've got mail..وربما ليس واحدًا من المشاهد التي يتذكرها المرء من جملة مشاهد أكثر جمالًا وتأثيرًا امتلأ بها الفيلم، ولكنه- أي المشهد- علي قدر بساطته نجح في أن يلتصق بمخيلتي طوال اليوم آنذاك، ربما لأنه محملًا بمعانى احتوت مشاعري المركبة في تلك اللحظة، وربما لأنني وجدت فيه تعزية عن اضطرابي بين جمال الذكريات ،وما تثيره في النفس من شجون، وما يحتمه العقل من ضرورة تخطي كل ذلك لنتمكن من المواصلة، ولنكن علي قدر من المرونة مع معطيات حياتنا المتغيرة.
كانت ميج رايان إلي جواري طوال اليوم، وأنا أطوي حياتي في عدة حقائب؛ استعدادًا للانتقال لمسكن آخر، غصة ما تسللت إلي قلبي رغم أنني كنت اتطلع لتلك اللحظة التي أترك فيها تلك البناية، تلوثت الذكريات الجميلة بأوقات قاسية فما عاد يمكن الفصل بينهما، فإن تذكرت جمال لحظة ما اقترن بها تذكري لقسوة لحظة اخري رغمًا عني، تبدلت ملامح البناية فما عادت تحتويني، وما عادت تشبهني..ماعاد أحبائي فيها..باتت موحشة..لم أعد أعرفها..ولا أظن جدرانها تعبأ بتجديد التعرف علي.
صرت غريبة عنها، لكنني أيضًا غريبة في مسكني الجديد، لم أعد أنتمي إلي هناك، لكني أيضًا لا أنتمي إلي هنا، صرت خليط من كليهما إن جاز التعبير، خليط من هنا وهناك دون انتماء صريح لأي منهما، أظنني فهمت الآن درويش حينما كتب عن حالة " البين بين" .
كنت ألملم أغراضي بسرعة وكأنني أراوغ الذاكرة قبل أن تستدعي شيئًا ما ارتبط يومًا بما أضبه في الحقائب، مناورات عديدة دارت مع ذاكرتي ومع ذلك الجزء الضعيف اللعين في قلبي، ومناوشات شديدة قامت بها ذاكرتي للنبش في رفات ما قد مضي، لا أعلم من انتصر في النهاية، ولا أظن أن مثل هذه المعارك ينتصر فيها طرف ما بشكل كلي، أرهقنا بعضنا البعض أنا وذاكرتي، كل منا كان يجري محاولات ليبقي علي الآخر وكلانا كان يعلم أنه لا مجال للبقاء، شئت أم أبيت تحين اللحظة التي ينبغي عندها أن تطوي الصفحة وتمضي دون أن تجعل التفاتك للخلف يبتزك عاطفيًا ويعيقك فتظل حيثما أنت..في نفس المكان..متجمدًا عند نفس المرحلة من حياتك وعاجز عن تخطيها.
ربما يحتاج المرء لكثير من هذه اللحظات في حياته لتذكره علي الدوام بأن دوام أي وضع مهما امتد زمنه أمر مؤقت في النهاية، يحتاج المرء للحظات النهاية.. والفقد..والسفر.. والوداع؛ ليدرك المعني الحقيقي للحياة، ليدرك ما روُى عن قول المصطفى صلى الله عليه وسلم:"أحبب مَن شئت فإنك مفارقه"، نحتاج جميعًا لتلك الصفعات الحياتية؛ لنعي أن ثمة لحظة فراق آتية لا محالة فنجتهد لاستغلال أوقات الوصل والوصال جيدًا.. لندرك أن ثمة وقت رحيل فنبذل كل ما بوسعنا لنشبع من الوجود ونمتلئ به، والأهم لندرك أن هذه الأوقات بما فيها من شجن وما يعقبها من ألم جزء طبيعي من الحياة فنساعد أنفسنا لمجابهة عواطفنا لتجاوز هذه الأوقات سريعًا بأقل خسائر نفسية ممكنة، ولنمضي قبل أن تآسرنا عواطفنا وضعفنا الإنساني فنعجز عن المضي قدمًا.
كانت ميج رايان إلي جواري طوال اليوم..تراقب وهي شابة ما استدعته ذاكرتها قبل بيع المتجر، رأت نفسها وهي طفلة تراقص أمها في المتجر كما الأيام الخوالي، كان وجودها يرهقني إذ تحاول عبثًا تأجيج مشاعر أجاهد نفسي لاخمادها، رأت نفسها طفلة تراقص أمها، لكنها كانت ترقص علي ذكرياتي أنا في الواقع..فركلتها سريعًا من ذهني، وأحكمت إغلاق أخر حقيبة وناولتها بخفة لعم دسوقي لينقلها مع بقية الأغراض؛ من أجل بداية جديدة وصنع ذكريات أخري أمني نفسي بأن تكن محببة للقلب أكثر وتشبهه أكثر، ومن أجل الهروب سريعًا من ميج رايان التي كانت إلي جواري طوال اليوم وأنا ألملم حياتي في عدة حقائب.
الجمعة، 4 سبتمبر 2015
11يوم
يقال دومًا أن المرء يتعرف علي إنسان آخر بداخله في أثناء السفر، ولذلك سمي سفرًا لأنه يسفر عن إنسان جديد.
طردت تلك الفكرة سريعًا من رأسي حينما كنت أفكر في الاحدي عشر يومًا الذين قضيتهم في تلك المدينة الساحلية، مرددة علي نفسي " هو انت كنتي في قارة تانية..دول 3 ساعات ونص بالعربية" !
ولكن حتي وإن لم يكن سفرًا بمعناه المعهود حيث المسافات الطويلة والغياب الكبير وحقائب السفر الضخمة التي تطوي فيها حياتك استعدادًا لسنوات الغربة، إلا أنها كانت سفرة بعيدًا عن المألوف، مست في داخلي شئ، وأصابت بعض مفاهيمي بضربة مباشرة خلخلتها ، احدي عشر يومًا قضيتهم مع أصدقائي..دون أهلي..دون جهة تنطم الرحلة.. بسيارة صديقة.
متي كبرنا وصرنا قادرين علي اتخاذ قرارات مماثلة؟ متي اقتنع ذوينا بأننا " كبار كفاية" لنسافر بمفردنا؟!
أذكر أنني كنت علي وشك العدول عن قرار السفر قبل بضع ساعات من موعد الانطلاق تأثرًا بمرض والدي مؤخرًا..شئ من تأنيب الضمير كان يوخز جزءً ما في قلبي، بينما كان أفراد أسرتي يدفعونني دفعًا للسفر مرددين " محتاجة تغيري جو"..هل بات الأمر ملحوظ لهذه الدرجة؟.
ربما يجب علي المرء ألا ينساق وراء عاطفته دومًا وإلا ظل في نفس المكان، ربما تتطلب منك الحياة أن تتحلي بشئ من الغلظة وتجاهل المشاعر التي تبتزك عاطفيًا؛ لتتمكن من السفر لا من مدينة لأخري وإنما من مرحلة حياتية لغيرها.
في الطريق أخبر صديقاتي بشعوري أننا في فيلم سهر الليالي، حينما هرب الأبطال من حياتهم في القاهرة وأغلقوا هواتفهم وسافروا..كنا تمامًا مثلهم باستثناء غلق الهواتف، كنا جميعًا في حالة هروب..وأظنها فشلت إلا قليًلا أو ربما حالفها بعض النجاح، هربنا جزئيًا من ضغوط قهرتنا بالقاهرة..وآسرتنا في سفرنا بالحديث عنها، فابتعدنا عنها ماديًا بأجسادنا، وفكريًا اصطحبناها معنا لكل مكان..فقط كنا نطردها لخلفية عقلنا تارة..وتارة أخري نفسح لها المجال لتكون كل عقلنا تحت وطأة الهدوء ونسيم البحر الذي يجبرك علي مواجهة ذاتك.ً
يقولون أن قمة الخداع للنفس أن ترتب الفوضي حولك، بينما تتركها في قلبك..وأحسب ذلك صحيح..صحيح تمامًا.
كان اليوم يبدأ بتوك شو بينما نتناول وجبة الإفطار، توك شو حقيقي في كافة الموضوعات التي تطرأ علي أذهاننا، نتبادل الرؤي ووجهات النظر، يأخذنا الحديث لتجارب شخصية، تطفو اختلافات شخصياتنا علي السطح في اختلافنا في بعض رؤانا وأحكامنا التي نطلقها علي الأشياء، بينما ننسجم حد الذوبان في مواضع أخري في الحديث وتتفق وجهات النظر وتتلاقي.
أثبتت لي تلك الأيام أن العيش مع أشخاص تتطابق معك في كل شئ أمر ممل للغاية، لكن المهم أن يكون الاختلاف مغلفًا بشئ من التفهم والاحترام، ومساحة من النضج تحتوي ذلك الاختلاف ليمكن التعايش معه والاستمتاع به..الاختلاف ممتع ولكن بشرط وجود أرضية مشتركة تضم الثوابت التي لا يمكن الاستغناء عنها في حياتك.
كانت ساعات الفطور تمتد طويلًا، يتخللها الحديث عن بعض الروايات أو الأغاني أو المسلسلات.. ثم الغناء معًا ثم الصمت والشرود، لم تعد فكرة المصيف ذاتها بعد سنوات من العمر والحياة، حتي أننا جميعًا لم نجلب معنا ملابس البحر، ومن جلبتها لم تخرجها من حقيبة السفر، كانت النية مبيتة للسكون..ربما تبدل في أذهاننا مفهوم الترفيه عن النفس، ربما نستعيده بعد سنوات طوال - إذا كتب الله لنا العمر- تمامًا كتلك العجوز التي كانت تتراقص في ذلك الكافيه مساءً، وضعت عمرها ووقارها جانبًا وانطلقت كطفلة تؤدي حركات بهلوانية علي مرأي ومسمع من الجميع، ..تسللت رغمًا عنا جميعًا ابتسامة لشفاهنا، كنا بلا وعي نشجعها ضمنًا علي الاستمتاع بالحياة، وعلي ما نعجز نحن عن تحقيقه لقيود كثيرة، ..كانت البهجة علي وجهها بعد أن غالبت خجلها ترغمك علي أن تشجعها..كانت حينها هي الشابة ونحن العجائز.
جعلتني تلك العجوز الشابة أفكر كثيرًا في ثقافة الترفيه عن النفس التي نتناساها طويلًا ونحسبها من رفاهيات الحياة، فنتحول كهولًا أو موظفين في الحياة تحيا بلا روح، تدور في ساقية المفروض، نلهث وراء ما يكفل لنا سد جوع أفواهنا متناسين تغذية أرواحنا.
أما نحن حينها فكنا كذلك الكوميك الذي يظهر فيه شابًا يجلس ممدًدا علي أريكته وهو يشاهد التلفاز وفي يده بعض الطعام، بينما تصاحب الكوميك كلمات" تعرف إنك كبرت لما تبقي بتقضي يوم الأجازة كدة".
تطل إلي رأسي زوجة خالي التي تعدت الخمسين وهي تخبرني ذات يوم بحماسة مفرطة عن مباراة كرة اليد التي أصرت علي الذهاب لها بصحبة خالي بعد أن أهدتها صديقة دعوة للمباراة، سألتها حينها" هو أنتِ بتحبي كرة اليد يا طنط؟" فأجابتني بنبرة فاطعة :" لأ.. و لا أفهم فيها حاجة، بس كنت محتاجة نعمل حاجة تحسسني إننا لسة عايشين، صوتي راح من التشجيع" .
كانت لمعة عينيها وقتها كافية، وأدركت حينها أنني يجب أن أقاتل من أجل ذلك الإحساس ومن أجل لمعة العين تلك، أخبرت صديقاتي عن تلك القصة بينما كنا نتناول فطورنا، وأدركت حينها لما تراقصت العجوز أمام الجميع رغم إنحناءة ظهرها.
أحببت في رحلتي تلك فكرة الاستقلال المؤقت، وأذكر أنني قرأت ذات مرة عن معني مشابه، كان كاتب المقال حينها يشدد علي أهمية أن تبتعد ولو مؤقتًا في مرحلة ما من حياتك عن المكان الذي تربيت فيه وتخوض تجربة العيش بمفردك، وتستمتع بفرصة استكشاف نفسك، تحدثت مع صديقتي خلال سفرنا في تلك الفكرة، فأخبرتني عن صعوبة الفكرة رغم جمالها، استخدمت حينها تعبير " بتشيلي مسؤلية نفسك من أول البيت مفيهوش ملح وفلفل..وصولًا للأمور الجوهرية"..كانت تردد ذلك بينما نبحث في السوبر ماركت عن توابل للأرز.
تجولنا بين أرفف السوبر ماركت ونحن نتناقش في معني أنه قد لا تدرك في نفسك قدر المسؤلية إلا حينما توكل بها..وكما يقال أنت أقوي كثيرًا مما تعتقد.
من بين أرفف السوبر ماركت، ومما أنتهت إليه نقاشاتنا وقت الإفطار..من إجمالي جلسات المساء الممتدة للصباح أمام البحر..كانت خلاصة الاحدي عشر يومًا: انتهز كل فرصة تعيد فيها اكتشاف ذاتك..وتستعيد بها شغفك للحياة.. انخرط في النقاشات..استمتع بالاختلافات وانتقي منها ما يمكن إضافته لشخصيتك..وإياك إياك أن تقبل بأن تحولك الحياة لموظف أو أن ترتضي لها بأن تسلب منك لمعة عينيك..قاوم.
الأربعاء، 5 أغسطس 2015
عشرة دقائق
كانت اللعبة تقتضى أن يختار ثلاثة أشياء تختفى من عالمه للأبد، على أن يكون الاختيار خلال عشرة دقائق فقط، وإلا يزول مفعول التعويذة..وتزول معها وللأبد فرصة أن ينعم بحياة خالية من بعض المنغصات..ثلاثة منغصات.
ارتبك كثيراً مع ضيق الوقت..كيف يمكن للإنسان أن يفاضل بين كل ما يعاني منه خلال دقائق قليلة فقط..فكر لوهلة أنه يمقت تردده وارتباكه..ربما ليس هنالك ما هو أكثر مقتًا وبغضاً من أن تقف فى منتصف المسافة دائمًا غير قادر على الحسم..لا تدرى هل تواصل المضى قُدمًا أم أن تشد الرحال بعيدًا على طريقة " لف وارجع تانى"..ليس هنالك ما هو أكثر إرهاقًا للنفس من أن تظل فكرة ما عالقة فى ذهنك، لا يمكن طردها ولا يمكن تنفيذها..تأُدُبًا تقول عالقة فى ذهنى..فى حين أنك أنت العالق والتائه فيها.
التفكير المبالغ فيه مع عدم القدرة على اتخاذ قرار مؤذِ للغاية ..فعل كريه مؤذِ، وحماقة يرتكبها المرء فى حق نفسه.
كم دقيقة مرت مع فوضى الأفكار تلك؟ يا الله .. سبعة دقائق متبقية وفرصة عمر ..وفوضى ..فوضى أفكار..كثير من الفوضى..وكثير من الأفكار.
خمس دقائق..أربع دقائق و59 ثانية .. أربع دقائق و58 ثانية ..
مرور الوقت مخيف..مخيف أن تدرك أنك استهلكت أوقاتًا طويلة وأهدرتها فى اللا شىء..ولا ترى بريقها إلا فى وقت التلاشى..تلاشى الوقت.. لهذا يقولون الوقت كالسيف.. لماذا كنا نكابر فى الاستماع لتلك المقولات ونراها سخيفة مبتذلة ؟.. لو عاد بى الوقت وعدت طفلاَ فى قاعة الدراسة لأبديت اهتمامًا أكبر بكل تلك المقولات المطبوعة على ظهر الكتب والكراسات..لكن..لكن الوقت لا يعود..لا يمضى للخلف .. لن أستعيد سنوات الدراسة ولا الخمس دقائق المنصرمة التى لم أقرر فيها شىء..تداعى ذلك إلى ذهنه وهو يفكر حينها.
إهدار الوقت فيما لا يضيف لحياتك معنى حقيقى هو نوع من القتل الرحيم الذى لا يدرك المرء أنه يقترفه بيده.
إذن سأختار التردد.. و إهدار الوقت .. والتفكير الكثير بلا تنفيذ .. ربما يبدو هذا مثالياً للغاية ، كرر ذلك على نفسه ظانًا أنه قد حسم أمره، لكنه سرعان ما تراجع قليلًا مرددًا أن الحياة موجعة بشكل يفوق هذه الاختيارات الثلاثة فقط..وانه لن يسعد تماماً مع كل هذا الكم الموجع من المواقف الحياتية المزعجة وهذه الاستثناءات الثلاثة فقط ،إذن ..أهو الجشع ..طمع المرء الذى ينتزع منه الرضا والسعادة وتقدير ما هو متاح له؟
التطلع لما لا تملك قاتل إن لم تهذب نفسك بالرضا.
دقيقتان..دقيقتان فقط وإلا لا شىء تمامًا ..ربما عليك بشىء من المغامرة .. ألم تعش عمرك كاملاً تردد على نفسك أنه من النضج أن تخوض التجربة بغض النظر عن نتيجتها.. لا نتيجة محسومة أساسًا فى الحياة بأكملها..والتجارب جميعها دروس..منها فقط دروساً قاسية ..وأخرى تأتى بنتائج مرضية..لكنها كلها دروس.. ألا يقولون أن حتى النعمة ابتلاء يختبرك به الله..إذن فكل التجارب دروس، لكننا أحيانًا فقط نتحول لتلاميذ بليدة لا تستوعب..ولا تنتبه.
دقيقة .. على بُعد دقيقة واحدة فقط من تلاشى الفرصة،عرف وقتها تماماً ما ينقصه..حينما بدأت الفرصة تتلاشى من أمامه بدا كل شىء واضح.. ردد بصوت عالِ وهو يلهث فى سباق مع الثوانى:
1- الخوف: لا أريد الخوف فى حياتى.. لا أريد أن أعش بكل هذا الجبن وراء ذلك الجدار السخيف الذى يفصلنى دائمًا عن كل ما أحب .
2- المسافات: يجب أن يتم محوها.. ومن حق المرء أن يكون قريبًا من كل مَن وما يحب .. المسافات مرهقة.. والبُعد دومُا يجعل شيئًا منك يتآكل.. سواء بُعدك عمن تآلفهم روحك، أو بُعدك عن كل ما يجعل الشغف يسرى فى عروقك من أشياء.. انعدام شغفك يتركك باهتًا.
3- المرض: أتقبل فكرة الفقد ..الموت حقيقة، فأريده هادئًا، ووحده المرض دومًا يرعبنى بصورة أكبر ..لا عجز حقيقى يضاهى رؤية من تحب يتألمون وأنت لا تملك شىء تدفع به هذا الألم عنهم.. ولا عجز أكبر من شعورك أنت بأنك عاجز حيال نفسك..الألم بغيض وقاتل للشعور قبل الجسد.
ربما كان يعلم الإجابة منذ الدقيقة العاشرة فى العد التنازلى.. يعلمها تمامًا بداخله، لكن وحده خوفه يصنع دائمًا مسافة بينه وبين اختياراته، وهو فعلاَ مرض.
مرور الوقت مخيف..مخيف أن تدرك أنك استهلكت أوقاتًا طويلة وأهدرتها فى اللا شىء..ولا ترى بريقها إلا فى وقت التلاشى..تلاشى الوقت.. لهذا يقولون الوقت كالسيف.. لماذا كنا نكابر فى الاستماع لتلك المقولات ونراها سخيفة مبتذلة ؟.. لو عاد بى الوقت وعدت طفلاَ فى قاعة الدراسة لأبديت اهتمامًا أكبر بكل تلك المقولات المطبوعة على ظهر الكتب والكراسات..لكن..لكن الوقت لا يعود..لا يمضى للخلف .. لن أستعيد سنوات الدراسة ولا الخمس دقائق المنصرمة التى لم أقرر فيها شىء..تداعى ذلك إلى ذهنه وهو يفكر حينها.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)